Search
728 x 90

جوزف عون امام تداعيات تجارب الرؤساء العسكريين؟

جوزف عون امام تداعيات تجارب الرؤساء العسكريين؟

كان بديهياً وغير مفاجئ على الاطلاق ان تطلق مبادرة متعمدة ونادرة في شكلياتها كما في دلالاتها المقصودة كتلك التي قام بها الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون باستقباله قائد الجيش اللبناني العماد جوزف عون في قصر الاليزيه علناً ورسمياً متجاوزاً اطار البروتوكول الفرنسي الصارم في مستويات الاستقبالات، ان تطلق العنان الناري في بيروت لأكثر السيناريوات سخونة المتصلة لآفاق المعركة المقبلة لرئاسة الجمهورية اللبنانية .

 فالقائد العسكري الحالي كان يُعد من اقرب المقربين الخلص لرئيس الجمهورية العماد ميشال عون الذي فاخر بأنه كان وراء خياره وتعيينه له في قيادة الجيش، الى ان تسلل “فيروس” التشرذم والخلافات وحتى الانفصالات والطلاقات التي عصفت بكثافة في البيئة العونية اللصيقة بعدما صارت ظاهرة صهر الرئيس ورئيس تياره السياسي النائب جبران باسيل المهيمنة المطلقة على كل مسارات المقربين والابعدين من رئيس الجمهورية، وصار تالياً الحاكم بأمره في تقرير علاقات البيئة العونية برمزها المؤسس.

تبعاً لذلك بدأت ترتسم في الآونة الأخيرة ملامح أولية للتنافس على خلافة عون بعد انتهاء ولايته في نهاية تشرين الأول 2022 ، وبدأ اسم جوزف عون يشق طريقه في كواليس الوشوشات ومن ثم علناً كمشروع مرشح أساسي لرئاسة الجمهورية ولو ان الرجل حرص على تسريب الكثير من المواقف التي ينفي فيها أي طموحات رئاسية لديه . ولكن ذلك لم يستقم اطلاقاً امام الهواجس التي اثارها ايمانويل ماكرون ونجح في إشعالها لدى الطبقة السياسية الرسمية اللبنانية كما الطبقة غير الرسمية ولو ان استقباله لقائد الجيش جاء في اطار تتويج زيارة مهمة قام بها عون لباريس، وتُوّجت بموافقة فرنسا على قيادة جهد دولي لتنظيم مساعدات ودعم دولي واسع للجيش اللبناني من خلال مؤتمر دولي خاص بدعم الجيش اللبناني والمؤسسات الأمنية اللبنانية سينظم في حزيران المقبل.

وعلى الأهمية الكبيرة جداً لهذا الجهد في وقت بات يعاني فيه الجيش اللبناني الكثير من أزمات لوجستية وتموينية وتجهيزية بالإضافة الى مسألة مدّه بالدعم التسليحي والتدريبي فإن الإيحاءات المتصلة بالمعركة الرئاسية المقبلة قد اشعلت النار في ثوب المتوجّسين والمتنافسين والقوى المعنية بمراقبة لاعب جديد اطلّ فجأة على المشهد من البوابة الفرنسية.

قطعاً لا يعترف الفرنسيون كما قائد الجيش اللبناني بأي دلالة او رابط له علاقة بالبعد الرئاسي لكن الامر سيطرح حتماً الإشكالية التاريخية المعلقة بوصول قادة جيوش عدة الى رئاسة لبنان منذ حقبة الاستقلال الأولى ثم بعد الطائف كما سيطرح الواقع الشديد التأزم الحالي في لبنان قبيل بدء العد العكسي لنهاية العهد العوني الذي بات كثيرون من خصومه كما من المستقلّين يصنّفونه بأنه أسوأ العهود قاطبة التي عرفها لبنان.

والواقع ان ايحاءات متصلة بوصول عسكري مجدداً الى قصر بعبدا لن تكون بالأمر العابر والسهل ولو انه من المبكر جداً فتح باب الاحتمالات حول الاستحقاق الرئاسي قبل سنة ونصف سنة من موعده باعتبار ان الظروف الدولية في حينه وحدها تقرر من يكون الرئيس الجديد اذا لم يكن لبنان قد انزلق الى متاهات انهيار مخيف حتى ذاك الموعد.

ومع ذلك لا بد من الإشارة الى ان لبنان عرف تجارب أربعة رؤساء للجمهورية أتوا من السلك العسكري وكانوا قادة جيوش وهم الرئيس اللواء فؤاد شهاب في الجمهورية الأولى ومن ثم الرئيس العماد اميل لحود في عزّ حقبة الوصاية السورية ومن ثم الرئيس العماد ميشال سليمان كرمز توافقي بين فريقي 14 آذار و8 آذار بعد نهاية الوصاية السورية وأخيراً الرئيس العماد ميشال عون الذي جاء بعد أطول فراغ رئاسي عرفه لبنان ودام سنتين ونصف السنة بفعل تحالف عون مع “حزب الله” على منع وصول أي رئيس سوى عون.

هذه التجارب سترخي بكل ثقلها على أي احتمال يمكن معه طرح اسم جوزف عون مرشحاً للجمهورية في قابل الأشهر الا ان ثمة إشكاليات كبيرة ستثار معه وأبرزها الإشكالية الدستورية اذ يفترض ان يكون موظف الفئة الأولى دستورياً قد استقال قبل سنتين من موعد الانتخابات ليحق له الترشح او ليجاز انتخابه، والا يجب اجراء تعديل دستوري لكي يمكن انتخابه من دون ان يكون مستقيلا ًكما جرى لدى انتخاب الرئيس اميل لحود.  ولكن ثمة تجربة أخرى جرى خلالها تجاوز الشرط الدستوري للاستقالة المسبقة حين انتخب الرئيس ميشال سليمان من دون ان يصار الى تعديل دستوري يتيح انتخابه وهو في منصبه.

وفي الحالة الراهنة للعماد جوزف عون فإنه تجاوز مهلة الاستقالة قبل سنتين لأنه سيبقى الى موعد الانتخابات الرئاسية سنة ونصف السنة . واما في البعد السياسي الصرف فان المعلوم ان فرنسا ليست بين نادي الدول المقررة الحاسمة لهوية رئيس لبنان، اقله منذ عقود عدة أخيرة. واذا صح انها بدأت تمهد لهذا الدور فإنه سيكون طبيعياً توقع حصول تنسيق عميق بينها وبين الولايات المتحدة من الجهة الغربية ومع مصر والسعودية من الجهة العربية والخليجية.

وكل هذا لا يزال في الاطار النظري المبكر امام واقع مأزوم ومتحرك يستحيل معه رسم أي سيناريوات مسبقة لآماد لا تزال طويلة نسبياً كالاستحقاق الرئاسي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات