Search
728 x 90

تونس: هل يتحوّل “ربيعها” دموياً؟

تونس: هل يتحوّل “ربيعها” دموياً؟

متسلحاً بالفصل 80 من الدستور، أقال الرئيس التونسي قيس سعيد في 25 تموز 2021، رئيس الحكومة وجمّد البرلمان ورفع الحصانة عن نوابه ونصّب نفسه النائب العام للبلاد، معلناً في الوقت نفسه نيّته تعيين رئيس وزراء جديد مكلّف بتأليف الحكومة.
ماذا وراء قرار سعيد؟ هل هو انقلاب كما تتهمه به المعارضة، هل هو اطاحة لحزب “الاخوان المسلمين”، هل هو سعي لتحويل النظام التونسي الى نظام رئاسي، هل هو تصحيح لمسار الثورة التونسية بعد 11 عاماً على شرارتها الأولى، وهل الوضع أشبه بوضع اليد عسكرياً على تونس كما حصل في مصر يوم امسك الرئيس عبد الفتاح السيسي بزمام امور البلاد مطيحاً بحكم “الاخوان”؟

بعد أشهر من الصراع على السلطة بين كلٍّ من رئيس الجمهورية قيس سعيد ورئيس الحكومة هشام المشيشي ورئيس البرلمان راشد الغنوشي، ترافق مع انتشار فيروس “كوفيد 19” وارتفاع عدد الوفيات بفعل غياب التنسيق بين مختلف الإدارات الحكومية وسوء تجهيز المستشفيات، لاحت أزمة دستورية في الأفق التونسي.
وكانت بدأت بوادر الازمة قبل اسبوع من قرار سعيد يوم كلّف الجيش التونسي تولي ايجاد حل للأزمة الصحية الناجمة عن “كوفيد 19″، اذ هاجم الرئيس التونسي خلال اجتماع طارىء مع القيادات العسكرية والأمنية، “حكومة الإخوان وحركة النهضة قائلًا:” “لا بد من قراءة نقدية لما تم فعله في الأشهر الماضية، ولماذا تردت تونس إلى هذا الوضع. الوضع الصحي في تونس كارثي والأمر يتعلق في التفريط في القطاع العمومي للصحة منذ سنوات التسعين”.
الأزمة التي عششت تفاصيلها منذ انتخاب سعيد العام 2019، بفعل تطبيق مبدأ توزيع السلطات دستورياً بين مؤسسات رئاسة الجمهورية ورئاسة البرلمان، تفاقمت بأول مواجهة مع حركة “النهضة” الإسلامية، بعد قرار الحركة سحب الثقة من حكومة إلياس الفخفاخ في تموز 2020 وانفراط عقد الحكومة بالتالي.
وتوازياً، نشأت ازمة بين رئيس الجمهورية فور تعيينه وزير داخليته هشام المشيشي – التابع لـ”حركة النهضة الإسلامية” – رئيساً للحكومة خلفاً للفخفاخ، واستعرت الخلافات معه التي أسفرت في كانون الثاني 2021 عن تعديل وزاري جزئي نفذّه المشيشي ورفضه سعيد. ثم ما لبثت ان تطوّرت الازمة بينهما وسط اتهامات بالفساد بعد رفض المشيشي ترشيح وزراء بديلاً عن المتهمين في قضايا فساد في حكومته. وقد اتهم الرئيس التونسي “قوى سياسية”، في إشارة إلى حركة “النهضة”، ووصفها بـ”اللوبيات” في حماية الفاسدين وتعطيل ملفات قضائية.
وتفاقم الصراع على الحكم مع تدهور الوضع الاقتصادي واشتداد جائحة “كوفيد 19″، الى ان تحّول تظاهرات احتجاجية في العاصمة تونس لمطالبة الحكومة بالتنحي وحل البرلمان، ثم مواجهات في الشارع وهجمات على مقرات حركة “النهضة” في محافظات عدة، وذلك تزامناً مع ” اليوم الوطني للاحتفال بالذكرى 64 لعيد الجمهورية”، .
فجاء قرار سعيد غداة هذه المواجهات، وسط رفض برلماني وحكومي له. في الأول، اعتصم الغنوشي – وهو رئيس حزب “النهضة”، اكبر الأحزاب تمثيلاً في البرلمان التونسي والمنافس اللدود لسعيد – امام مبنى البرلمان مع عدد من النواب واصفاً الوضع بأنه “انقلاب على الثورة وعلى الدستور”، فيما منعه الجيش التونسي من الدخول. وفي الثاني، معلومات عن تعرّض المشيشي للضرب – نفاها في ما بعد – قبل ان يتراجع عن رفضه ويقبل بتسليم السلطة.
وما لبث ان اصدر سعيد أوامر جديدة قضت بإعفاء مسؤولين كبار في الحكومة، ومنهم مدير ديوان رئيس الحكومة المقال وكل مستشاريه، وكاتب عام الحكومة، ورئيس الهيئة العامة لشهداء وجرحى الثورة والعمليات الإرهابية اضافة الى رئيس التلفزيون الوطني التونسي.
سعيد استند في قراره إلى الفصل 80 من الدستور المتعلق بصلاحيات رئيس الجمهورية، تحت عنوان: الباب الرابع: السلطة التنفيذية، قائلاً ان هذه المادة تسمح له بتعليق عمل البرلمان لـ 30 يوماً.
وينص الفصل 80 على أن “لرئيس الجمهورية، في حال خطر داهم مهدد لكيان الوطن وأمن البلاد واستقلالها، يتعذر معه السير العادي لدواليب الدولة، أن يتخذ التدابير التي تحتمها تلك الحالة الاستثنائية، وذلك بعد استشارة رئيس الحكومة ورئيس مجلس نواب الشعب وإعلام رئيس المحكمة الدستورية، ويعلن عن التدابير في بيان إلى الشعب.
ويجب أن تهدف هذه التدابير إلى تأمين عودة السير العادي لدواليب الدولة في أقرب الآجال، ويُعتبر مجلس نواب الشعب في حالة انعقاد دائم طيلة هذه الفترة. وفي هذه الحالة لا يجوز لرئيس الجمهورية حل مجلس نواب الشعب كما لا يجوز تقديم لائحة لوم ضد الحكومة.
وبعد مضي ثلاثين يوما على سريان هذه التدابير، وفي كل وقت بعد ذلك، يعهد إلى المحكمة الدستورية، بطلب من رئيس مجلس نواب الشعب أو ثلاثين من أعضائه البتُّ في استمرار الحالة الاستثنائية من عدمه.
وتصرح المحكمة بقرارها علانية في أجل أقصاه خمسة عشر يوما. ويُنهى العمل بتلك التدابير بزوال أسبابها. ويوجه رئيس الجمهورية بيانا في ذلك إلى الشعب”.
وفي المقابل، عارض رئيس البرلمان الامر قائلاً “إن قرارات الرئيس غير دستورية لأن الفصل يشترط أيضاً استمرار أعمال المجلس ولا يخوّل إقالة الحكومة”. كما نفى استشارته من قبل سعيد لتفعيل المادة 80 من الدستور، قائلا: “غير ذلك هو ادعاء كاذب”.
اما الاحتكام الى المحكمة الدستورية للفصل في الخلافات الدستورية فأمر غير ممكن نظراً الى عدم انشاء هذه الأخيرة منذ المصادقة على الدستور العام 2014، لأن الخلافات السياسية على رئاستها وتسمية اعضائها مستمرة منذ 7 اعوام. وقد أعلن سعيد في نيسان 2021 “إن البرلمان تجاوز المهلة الزمنية لتشكيلها”.
فمعارضو سعيد، ولا سيما رئاسة البرلمان وحركة النهضة الإسلامية وحليفها “ائتلاف الكرامة” اليميني ترفض خطوة سعيد بشكل قطعي وتتهمه بالسعي الى تغيير النظام قائلة انه عبّر عن رغبته علنياً بتعديل النظام السياسي والذهاب إلى نظام رئاسي.
كماا اعلن الرئيس الاسبق المنصف المرزوقي إن “ما حدث هو انقلاب، وهذا الرجل خرق الدستور وأعطى لنفسه كل السلطات. شيء لا يصدق”.
وفي أحسن الأحوال يقول مراقبون كثر ان سعيد يسعى الى “نظام رئاسي قائم على الانتخابات ولكن مع دور أصغر للبرلمان”.
اما سعيد فيدافع عن نفسه نافياً قيامه بأي انقلاب، قائلاً أن ما حدث “ليس تعليقاً على الدستور ولا خروجاً على الشرعية الدستورية. نحن نعمل في إطار القانون ولكن إذا تحول القانون إلى أداة لتصفية الحسابات وإذا تحول لتمكين اللصوص الذين نهبوا أموال الدولة وأموال الشعب المفقر، إذا كانت النصوص بهذا الشكل فهي ليس بالنصوص التي تعبر عن إرادة الشعب بل هي أدوات للسطو على إرادة الشعب”.

وسعيد يتهم ” 460 شخصا بنهب أموال تونسية”، عارضاً عليهم تسوية في حال إعادتها، قائلا إن نحو 4.8 مليار دولار تمت سرقتها من شعب البلاد.

بين تونس والاخوان

هل تشبه ازمة تونس اليوم الانقلاب على حكم الأخوان المسلمين في مصر العام 2013؟
يقول المراقبون ان اوجه التشابه قد تكون كثيرة خصوصاً ان سعيد لا يوفر مناسبة لمدح نظام عبد الفتاح السيسي الذي انقلب على حكم الاخوان المسلمين في مصر، علماً ان تونس كانت اول دولة انطلق منها “الربيع العربي” مشكلاً سلسلة “دومينو” كرت على الكثير من الدول العربية.
وإذا كان القاسم المشترك بين تونس اليوم ومصر بالأمس، الانقلاب على “الاخوان”، كما قال مراقبون كثر، فإن الفرق كبير بين الرئيسين التونسي والمصري. الأول مدني، مناهض للأحزاب، وقاعدته الشعبية اقل تنظيماً بكثير من الحزبين التونسيين المناهضين له “النهضة الاسلامية” الاخوانية و”نداء تونس” ويسعى لكسب تأييد الجيش بالكامل. والثاني كان عسكرياً ووزيراً للدفاع يحظى بتأييد الجيش المصري المطلق يوم انطلق بانقلابه.
الا ان ازمة الحكم التونسية التي نشأت مع حزب “النهضة” الاخواني الممسك برئاستي البرلمان والحكومة كانت تؤشر بوضوح، وفق الكثير من المتابعين للتطورات التونسية، الى نيّة سعيد في ابعاد “الاخوان” عن الحكم بأي ثمن.
من هنا، الادانة التركية الصارمة لخطوة قيس، ولا سيما ان حزب الرئيس التركي رجب طيب اردوغان هو حليف قديم لحزب “النهضة” الاخواني. كما ان ليبيا حذت حذو انقرة فيما دعت قطر للحوار. وأكد اميرها الشيخ تميم بن حمد آل ثاني في اتصال مع الرئيس التونسي على “ضرورة تجاوز الأزمة السياسية الراهنة”.
وكان لافتاً موقف الغرب الذي لم يدن خطوة قيس لا بل اعتمد مقاربة حذرة مما يحصل. فدعت واشنطن والاتحاد الاوروبي بشكل مبهم الى العودة الى الحوار واحترام حقوق الانسان.

ماذا ينتظر سعيد؟

مراقبون كثر فنّدوا الخطوات المقبلة لسعيد بثلاث، علماً ان الجزء المالي منها يشبه الى حد بعيد الوضع المالي اللبناني:
1- تعيين رئيس وزراء جديد يتولى مع حكومته معالجة حال الطوارئ الصحية والاقتصادية في البلاد خصوصاً بعد تعثر قطاع السياحة بفعل هجمات تنظيم “داعش” وتعدي معدل البطالة نسبة الـ 18%. وقد اجرى المعهد الوطني للإحصاء في تونس استطلاعاً افاد بأن ثلث الأسر كانت تخشى نفاد الطعام العام الماضي.
2- انشاء فريق عمل يتولى التفاوض مع صندوق النقد الدولي لوضع برنامج إصلاحي جديد، عبر التفاوض على مبلغ 4 مليارات دولار – وهو القرض الرابع في 10 اعوام – مما سيتطلب اجراءات اقتصادية قاسية يعارضها الشارع التونسي ومنها على سبيل المثال رفع الدعم عن الخبز، خصوصاً ان الانكماش الاقتصادي وصل إلى نسبة 8% العام 2020 لأول مرة منذ منتصف القرن الماضي. ثم ان غضب الشارع من تداعيات فيروس “كوفيد 19” وازاه الغضب من ارتفاع الدين الوطني بعدما أصبحت مدفوعات القروض ستة أضعاف حجم ميزانية الصحة في البلاد.
3- وضع خريطة طريق لحشد تأييد الرأي العام المحلي، اكان سياسياً ام مدنياً، ولا سيما 4 افرقاء تونسيين هم: الاتحاد العام التونسي للشغل، الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات اليدوية، عمادة المحامين، الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان. كما يجب ان تسعى هذه الخريطة لكسب التأييد الخارجي والدولي.
ماذا ينتظر تونس اذاً التي تواجه اليوم اخطر ازمة منذ العام 2013 حيث كثرت الاغتيالات السياسية فيما الدول المانحة الخارجية تنتظر ما ستؤول اليه الاوضاع؟

فتونس التي كانت شكلت مثالاً فريداً للإنتقال السلمي للسلطة الديمقراطية منذ اطاحتها زين العابدين بن علي العام 2011، مرشحة لأن تنضم الى قافلة كل الدول العربية التي شهدت “الربيع العربي” منذ العام 2011 ولم تنجح في ارساء حكم ديمقراطي غير مغمّس بالدم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات