Search
728 x 90

تونس: من ثورة الياسمين الى…؟

تونس: من ثورة الياسمين الى…؟

من “ثورة الياسمين” الى اسئلة كثيرة حول الديمقراطية التونسية في 2022، أحدثت تونس اكبر خيبة بين “ثورات الربيع العربي” هي التي كانت رائدتها العام 2011، فباتت تقترب التجربة الوحيدة الناجحة بينها من حافة الفشل.
الإصلاحات الحقيقية غابت عن تونس وسط تدهور معيشي سريع وانعدام الثقة الاقتصادية فيها على كل مستويات المنظمات المالية، بحيث ادرجها التقرير السنوي لمجموعة الأزمات الدولية التابعة للاتحاد الأوروبي، من ضمن الدول العشر في “قائمة البلدان الفاسدة”، الى جانب أفغانستان وفنزويلا وأوكرانيا ولبنان.
الرئيس التونسي قيس سعيد اتخذ سلسلة اجراءات تطعن الديمقراطية في الصميم: أقال رئيس الحكومة وجمّد عمل البرلمان كما الكثير من المؤسسات الرسمية مستنداً الى المادة 80 من الدستور التونسي، ومعلناً عن خريطة طريق تنهي الحال الاستئثنائية في كانون الاول 2022، وسط تظاهرات شعبية منقسمة: معه وضده. فماذا يحصل في تونس ولماذا؟

منذ ان احرق الشاب محمد البوعزيزي نفسه في مدينة سيدي بوزيد مطلقاً شرارة “الربيع العربي” الذي اجتاح بلداناً عربية عدة العام 2011، والعيون شاخصة الى تونس، اكثر الثورات وعوداً بالنجاح ديمقراطياً في محيطها العربي، خصوصاً بعدما نجحت في السنوات العشر الأخيرة في ارساء خطوات بناءة نحو الحكم الديمقراطي. فاتّسمت العديد من انتخاباتها الوطنية والمحلية بالحرية والنزاهة محلياً ودولياً. كما انبثق مجتمع مدني فعّال في السياسة التونسية وحازت مجموعة منه معروفة باسم “الرباعي الراعي للحوار الوطني” عام 2015 على جائزة نوبل للسلام لمساعدتها على وضع خريطة طريق للانتقال السياسي السلمي.
الا ان الانقسامات السياسية بدأت تأكل حلم الديمقراطية شيئاً فشيئاً في ظل اقتصاد متهاو، ناسفة كل الانجازات التي اعقبت حكم زين العابدين بن علي الذي اطاحته “ثورة الياسمين”، ولا سيما مع وصول قيس سعيد الى سدة الرئاسة في تشرين الأول 2019 بأكثرية 72% من الأصوات.
سعيد تعهد بإنقاذ اقتصاد تونس الفاشل الا ان الخلافات بدأت سريعاً مع قوى سياسية برلمانية عدة، وعلى رأسها حركة “النهضة” الإسلامية التي تشكل الاغلبية النيابية والتي دعمته اساساً في معركته الرئاسية، اثر قرارها سحب الثقة من حكومة إلياس الفخفاخ – المدعوم من سعيد – في حزيران 2020، وإجباره بالتالي على الاستقالة على خلفية شبهة تضارب مصالح.
وقد أكد سعيد منذ توليه المسؤولية “أنه لا يستطيع الحكم بشكل صحيح لأن البرلمان ، الذي يمنحه الدستور صلاحيات واسعة ، يخضع لسيطرة قوى سياسية أخرى”.
وعلى الأثر اختار سعيد رئيس حكومة جديداً، وفقاً الصلاحيات التي يمنحه اياها الدستور التونسي. فاختار وزير الداخلية هشام المشيشي لتشكيل الحكومة. لكن هذا الأخير نأى بنفسه تدريجاً عن الرئيس التونسي، فأقال وزير الداخلية الذي اقترحه سعيد أيضًا في كانون الثاني 2021 ، وحلّ مكانه، مما ادى الى تفاقم الأزمة خصوصاً بعدما رفض سعيد تنظيم أداء اليمين لوزراء جدد اقترحهم رئيس الحكومة. وتفاقمت الصراعات البرلمانية الى حد اتهام سعيد للكتل النيابية بأنها لوبيات تحمي الفاسدين، مما انعكس تظاهرات في الشارع احتجاجاً على المصاعب الاقتصادية وارتفاع كلفة المعيشة والإغلاق المتكرر للحدود مع الجزائر وليبيا وعلى وحشية الشرطة المزعومة والقيود المفروضة بفعل جائحة كورونا.

ماذا حصل؟
استناداً الى المادة 80 من الدستور التونسي التي تنص على ” اتخاذ إجراءات استثنائية في حال وجود خطر وشيك” على البلاد، وبعد يوم من تظاهرات عنيفة في الشوارع، اعلن الرئيس التونسي قيس سعيد عشية 25 تموز 2021 تعليق عمل البرلمان لمدة 30 يومًا ، ورفع الحصانة البرلمانية عن النواب وتولى ادارة النيابة العامة. وسرعان ما رفض رئيس البرلمان وزعيم حزب النهضة الإسلامي راشد الغنوشي القرار ووصفه بأنه “انقلاب على الثورة”. كما اعتبرت الأحزاب التي تشكل الأكثرية النيابية ان سعيد تخطى صلاحياته ولم يحترم الدستور في ما يتعلق بالمادة 80 التي ارتكزت اليها قراراته. فهو، كما قالوا، لم يحترم واجب إبلاغ رئيس البرلمان ورئيس الوزراء قبل تفعيل المادة 80، وهو جمّد عمل المجلس فيما هذه المادة تنص على “بقاء البرلمان في حال الانعقاد الدائم إلى جانب الرئيس في هذه الظروف الاستثنائية”.
وفي اليوم التالي، اقال سعيد رئيس الحكومة ووزير الداخلية بالوكالة هشام المشيشي، اضافة الى وزراء الدفاع والعدل والخدمة المدنية. ثم ما لبث ان اعلن حل المجلس الأعلى للقضاء اوائل شباط 2022، واغلقت الشرطة التونسية أبواب المجلس، مانعة العاملين من الدخول. فرد رئيس المجلس الأعلى للقضاء يوسف بوزاخر بنفي وجود أي آلية قانونية أو دستورية مشروعة تسمح للرئيس بذلك. الا ان الأصوات الخارجية المشككة في صوابية قراراته دفعت بوزير العدل التونسي الى التأكيد ان “سعيد سيُبقي على المجلس الأعلى للقضاء باعتباره مؤسسة دستورية وسيغير القانون الذي ينظمه”.
اما دور القوى العسكرية التونسية، فبدت مؤيدة لقرارات سعيد اذ تولت قوة منها اقفال البرلمان ومنع الدخول اليه فيما تم قمع الكثير من التظاهرات في ما اعتبر “استعمال مفرط للقوة”.
وعشية اعلان قراراته هذه، سارع سعيد في 13 كانون الأول 2021 الى الاعلان عن خريطة طريق تبدأ باستشارة إلكترونية اُطلقت في الأول من كانون الثاني 2022 لتلقي مقترحات وتصورات من الشعب مباشرة قائلاً ان هذه الوسيلة ستضمن انهاء الحال الاستثنائية التي تعيشها البلاد منذ 25 تموز 2021.

وتنص هذه الخريطة على:
– بدء “مشاورات إلكترونية” حول الإصلاحات الدستورية والسياسية في كانون الثاني 2022.
– في 22 آذار، ذكرى الاستقلال، ستقوم لجنة وطنية بتجميع المقترحات ومسودة مراجعة لدستور 2014.
– في 25 تموز، ذكرى إعلان الجمهورية، سيتم استفتاء على الدستور.
– في 17 كانون الأول 2022 ، ذكرى اندلاع ثورة 2010-2011، سيتم تنظيم انتخابات تشريعية.
هذا، وقد لاقت خطة سعيد معارضة داخلية قوية، ولا سيما من قبل رئيسي الحكومة والبرلمان، ومن الرئيس التونسي السابق المنصف المرزوقي الذي دعا إلى مقاطعة الاستفتاء، محذرا من استغلال المعطيات الشخصية للتونسيين لاستخدامها استخباراتياً لاحقا “لمزيد من التحكم والتضليل”، كما قال.
ويتهم مناهضوه سعيد بأنه سيكون تمكن من خلال خريطة الطريق هذه، من تمديد حال الاستثناء التي اعلنها لمدة عام عبر مواصلة تشديد قبضته على السلطة، اذ انه سيكون قام فعلياً بحل البرلمان، بعد تعليق عمله، من خلال النص على انتخابات تشريعية جديدة.
يضاف الى ذلك اتهامه برفض كل مبادرات الحوار الوطني المقترحة من قبل العديد من الجهات التونسية الفاعلة، ولا سيما الاتحاد العام التونسي للشغل (UGTT) الذي يشكل المركز النقابي الأول في البلاد.

هل هناك يد غريبة في ما حصل؟
مما لا شك فيه ان تونس الصغيرة مساحة تعتمد بشكل اساسي على الاستراتيجية السياسية والدعم من الدول المجاورة الأكبر والأكثر ثراءً في شمال إفريقيا ولا سيما الجزائر ومصر وليبيا بالإضافة إلى دول الخليج ناهيك عن فرنسا، القوة الاستعمارية السابقة التي تقابلها على الشاطئ الآخر من الساحل الغربي.
وقد اتهمت قوى كثيرة ايادي خارجية بالتلاعب بمصير تونس، ولا سيما حزب “النهضة” الذي اشار بالإتهام الى دولة الامارات العربية المتحدة ملقياً اللوم عليها في مسؤولية تغذية الاحتجاجات المناهضة لها في 25 تموز 2021. وحمّل المسؤولية الى قنوات تلفزيون عربية تدعمها الامارات، فيما كانت قنوات اخرى تدعمها قطر تساند ما سمّته “الثورة والديمقراطية” التي يحمل لواءها حزب النهضة الموالي لحركة الاخوان المسلمين.
وتجدر الاشارة الى زيارة الرئيس التونسي الى مصر في نيسان 2020 معرباً عن دعمه العلني لسياسة الرئيس عبد الفتاح السيسي الذي قضى على جماعة الإخوان المسلمين بعد توليه السلطة العام 2013 . من هنا، اتهام مصر بأنها تدعم الرئيس سعيد في سياساته.
وقد باتت البلاد في وضع حرج اكبر بسبب المشاكل الاقتصادية التي ظهرت في أعقاب الانتفاضات العربية كما تراجع السياحة – وهي المصدر الأساسي للإقتصاد – بفعل القيود التي فرضتها الإدارة السيئة لأزمة “كوفيد” وتراجع السياحة.

ما موقف الدول الخارجية المعنية بتطورات تونس؟
بقدر ما سارعت تركيا الى التنديد بإجراءات الرئيس التونسي بقدر ما تجنبت دول اخرى، ولا سيما فرنسا والاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي والولايات المتحدة، اصدار الاحكام عليها داعية اياه الى احترام الدستور.
الا ان تونس، ومنذ التطورات التي تلت 25 تموز 2021، لم تعد تفي بالشروط اللازمة لاستمرار الدعم الاقتصادي من الاتحاد الأوروبي. وقد اعلن الممثل الأعلى للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية جوزيب بوريل إن “الاتحاد الأوروبي سيؤسس أعماله ليس على الإعلانات ، ولكن على الإجراءات والتدابير الملموسة التي اتخذتها الحكومة التونسية”، علماً ان مجلس الاتحاد الأوروبي لم يعد يطالب بالعودة إلى النظام في دستور 2014 ، اثر اعلان الرئيس التونسي عن خريطة الطريق السياسية التي سينتهجها، لا بل أمل في التغييرات السياسية التي قد تنجم عن الاستفتاء الدستوري في تموز 2022.
من جهته، اصدر البرلمان الاوروبي قراراً حيال تجميد سعيد عمل البرلمان التونسي، داعياً الى “استعادة الأداء الطبيعي لمؤسسات البلد”، و”استئناف النشاط البرلماني” في إطار الحوار الوطني، ووضع “خريطة طريق واضحة” واستعادة دستور 2014 قبل أي إصلاح دستوري.
وقال اكثر من مصدر ان الاتحاد الاوروبي قد يفتح آفاقاً اقتصادية مشجعة لتونس في حال عدّل الرئيس سعيد خريطة الطريق السياسية التي اعلنها بحيث تشمل العودة إلى النظام الدستوري الذي تم التفاوض عليه مع القوى السياسية الرئيسية في البلاد والنقابات والجمعيات عقب الحوار الوطني.
اما الكونغرس الاميركي، فربط المساعدة المالية والعسكرية الأميركية المستمرة لتونس بنتائج تحقيق وزارة الخارجية في دور الجيش التونسي في انتهاكات ما بعد 25 تموز 2021.

في الختام،

يصبو التونسيون الى حصر السلطة في أيدي رجل قوي وعدهم بمحاربة الفساد وبإصلاح مؤسسات البلاد. لكن هذا الرجل يبدو انه يستفيد من فترة السماح التي منحته اياها القوى الخارجية الفاعلة المنشغلة بملفات أكثر الحاحاً، اكان في المنطقة ام في العالم، من اجل ارساء اجندته السياسية الخاصة التي قد تطيح بالإنجازات الديمقراطية التونسية السابقة.
علماً ان الصورة السياسية التونسية الداخلية لم تتضح بعد، لا من حيث الاحزاب السياسية والمجموعات المهنية ومنظمات المجتمع المدني التي لم يعرف بعد موقفها من خريطة طريق سعيد، ولا من حيث الأشخاص الذين سيعيّنهم كمستشارين وفي المناصب الوزارية المهمة. فتونس تحتاج بشدة إلى دعم مالي دولي لرأب صدع فجوات ميزانيتها المالية المتهالكة مع كساد اقتصادي بنسبة 8.8 % وعجز فيها بنسبة 11.4 % من الناتج المحلي الإجمالي.
والسؤال يكمن في رد فعل المؤسسات المالية الدولية ووكالات التصنيف والجهات المانحة التي تحتاج اليها تونس بشدة للنهوض، وإلا…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات