Search
728 x 90

“توثيق الظلام” ونورٌ من لُقمان!

“توثيق الظلام” ونورٌ من لُقمان!

لُقمان سليم نورٌ من ظلام. إنكبابه على القضايا المأزومة من باب الحريّات وحقوق الإنسان كان أبلغ تعبير عن إصرارٍ على الالتصاق بالنور.

زياد الصائغ

خبير في السياسات العامة

 الظلام عنده بحثٌ مستدامٌ عن الأمل. لكأنَّ في توثيقه هذا الظلام، أكان في مسار تأطير إنهاء النزاعات، أو تكريس كرامة اللّاجئين، إلى انتزاع أصفاد المسألة السِّجنيَّة، كلّ ذلك من باب تنقية الذاكرة الجماعيّة وتنقيتها ربطاً موثوقاً بالعدالة الانتقاليّة من ثوابتها العملانيّة بخلفيَّة ثقافةٍ تسالميَّة، لكأنَّ هذا التوثيق الذي أراده وزوجته العميقة الفِكر الصُّلبة مونيكا بورغمان، كما وعائلته الكريمة الضاربة الجذور في تعميم ثقافة احترام كينونة الإنسان وتقديس التعدّدية، لكأنَّ في هذا التوثيق نبويّة صارِخة تتحدّى مَن يدَّعون أنهم مؤتمنون عقائديّاً على القِيَم التي أسلفنا، إذ ثمّة في هؤلاء مَن يناقض في نهجه الأمانة المُفترض أن يحفظها ويناضل من أجلها.

ليس ما سبقَ إبحارٌ في اقتبالٍ استيعابيّ لخيارات لُقمان سليم الراديكاليّة من بابها الأخلاقيّ، بل تأكيدٌ على أنَّ ثمّة في العمل الإنسانيّ والوطنيّ والسياسيّ ثوابت يجب الرّكون إليها، والتسمُّر في فضاءَاتها، مع الأخذ بعَين الاعتبار البراغماتيّة الفاعِلة، بما يعني مُراعاة المتغيّرات، إنّما دون الانزلاق فيها على قاعدة التلوّن التبدّليّ المُدمِّر. وبالاستناد إلى التأكيد على هذه الثَّوابت، يتبدّى عميقاً انحياز لُقمان سليم إلى التأصيل المفاهيميّ والثقافيّ لخيارات نضاله بمنأى عن الديماغوجيا أو الاستعراضات الشعبويّة، وبالتالي يرتقي كلّ ما قام به إلى مستوى بناء لبنان الجديد أكثر منه الإغراق في معالجة الخَلل السياسيّ والسياديّ فيه. من هنا قد تكون تسميته بالناشط السياسيّ على كثيرٍ من التبسيط الانفعاليّ.

لُقمان سليم تألَّق في ربط الانتلجنسيا بالتحدّيات الجيوسياسيّة من بابها الحضاريّ، وهذه ريادته. لم تكُن الانتلجنسيا في عُرف لُقمان سليم حالة جامدة، بل جدليّة تحاكي صيرورة التَّاريخ كما أسّس لها هايدغر، وأطّرها مجتمعياً هابرماس مع انعطافةٍ مُبدعة في التعبير الجماليّ الفَذّ، حيث تكتسي الوقائع السّوداويّة عنده بُعداً ثوريّاً من خلال اكتنازها مداراتِ استعادة بياضٍ رجائيّ. العدميّة عند لُقمان غائبة، إذ هو الإنسان يواجِهُها في انتمائه المجتمعيّ ملتصقٌ بذاكرةٍ حيّة تأبى الاندثار أو التَّمتحُف. هذا التلاقيّ بين الفلسفيّ والجماليّ والماورائيّ الفريد في قراءته له، بمعنى الحُلوليّة الكيانيّة في قلب الطبيعة، وفي هذا بعضٌ من اندفاعة سبينوزا الأخيريّة، هذا التَّلاقي يتموضع في نسقِ المواجهة البنيويّة بين الخَير والشر، والتي أراد فيها لقمان بصوابيّةٍ عنيدة عدم التراجع عن مناصرة الخير.

لن نتمكَّن جميعاً، ونحن أصدقاء له قريبين في فَهم كلِّ العمق الوجوديّ النضاليّ الذي أراد لُقمان لذاته ولنا أن نَغوص فيه، على الرّغم من أنَّ ذاك العُمق إلتَحَف اللّامحدود في الشجاعة واستسخاف الخوف، ليس بالسِّمة القدريّة بل بقناعة التصميم الهادِف.

لُقمان صديقي، ذاك النُّور الذي مثَّلتَه، سيستمرّ مشعِلاً يقتحم كلّ الادلهمام التنافقيّ، وسيمثِّل لأحرار الفِكر بوصلة في العودة إلى العمق بديلاً عن مقاربة عوارض النَّفق القاتِل الذي زُجِجنا به قسراً، حيث الشقاء والبكاء يقتضيان سخريةً، وبالتالي تبديلاً حضاريّاً في موازاة القَمعِ الذي يلتزمُ به ظلاميُّون.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات