Search
728 x 90

تناقض اسرائيلي قابل للحياة؟

تناقض اسرائيلي قابل للحياة؟

لأول مرة منذ نحو 12 عاماً، ستكون الحكومة الاسرائيلية بلا رئاسة بنيامين نتنياهو… وبدعم من القائمة العربية الموحدة التي دخلت التاريخ بنوابها الأربعة مع المشاركة العربية في الحياة السياسية الاسرائيلية منذ عقود فيما تعود آخر مرة دعم فيها حزب عربي إسرائيلي حكومة اسرائيلية لكن من دون المشاركة فيها، إلى العام 1992 في عهد “حكومة السلام” برئاسة اسحق رابين. اما القاسم المشترك للحكومة الائتلافية الجديدة المشرذمة في مكوناتها فهو تجنب انتخابات نيابية خامسة والكراهية لنتنياهو، فهل تصمد في وجه محاولاته لاستعادة منصبه، وفي ظل التحديات الداخلية والخارجية التي تواجهها؟

اللافت في الحكومة الائتلافية الجديدة رئاستها بالمداورة بين زعيم حزب يمينا اليميني نفتالي بينيت في اول سنتين، وزعيم الحزب المعارض “يوجد مستقبل” يائير لابيد للسنتين المتبقيتين، هو ان مكوناتها الاساسية من المقربين السابقين لنتنياهو الذي يكنّون له النفور العميق.
فلابيد كان وزير المال في حكومة نتنياهو بين عامي 2013 و 2014، وأفيغدور ليبرمان اليميني المتطرف كان وزير الدفاع في حكومة نتنياهو حتى عام 2018 حيث استقال احتجاجًا على وقف إسرائيل اطلاق النار مع حماس. اما نفتالي بينيت فكان رئيس مكتب نتنياهو العام 2006، وفي ما بعد وزيراً للدفاع والاقتصاد والتعليم في حكومة نتنياهو.

مفاجأة عباس

ومنصور عباس، رئيس القائمة العربية الموحدة “الحركة الاسلامية الجنوبية” وقع الاتفاق مع لابيد- بينيت المعروفين بتأييدهما سياسة الاستيطان، ناهيك عن مواقفهما المناهضة لحل الدولتين وللاستقلالية الفلسطينية، علماً ان الأحزاب العربية الإسرائيلية أيّدت مرتين فقط حكومة إسرائيلية. في الخمسينيات من القرن الماضي حيث انضم نائب عربي – كان محسوباً اساساً على الحزب الاشتراكي الاسرائيلي الحاكم – إلى ائتلاف اسرائيلي. وفي التسعينيات ، عندما كانت حكومة زعيم حزب اسحاق رابين في خطر الانهيار ، فتدخلت الأحزاب العربية لمنع التصويت بحجب الثقة.
عباس وصف هذا الاتفاق على صفحته على فياسبوك بالتاريخي الذي “يوفر حلولاً لمشاكل مجتمعنا العربي الحارقة في مقابل مكاسب وإنجازات هي الأضخم والأوسع لصالح مجتمعنا العربي وميزانيات ضخمة تتعدى الـ 53 مليار شيكل (16.29 مليار دولار)”. وقال بيان صادر عن حزب عباس ان بينيت ولابيد تعهدا بتقديم 30 مليار شيكل على مدى خمس سنوات في صناديق تنمية اقتصادية، اضافة إلى 2.5 مليون شيكل أخرى لمحاربة العنف والجريمة المنظمة في المجتمع العربي. واشار الى استثمار 20 مليون شيكل أخرى على مدى السنوات العشر المقبلة لإصلاح البنية التحتية المتداعية في المدن والبلدات العربية.
كما سيؤدي الاتفاق إلى “ترسيخ مكانة الأحزاب العربية كلاعب مؤثر وشرعي في الساحة السياسية”، وفق قول عباس. فالقائمة الموحدة ستحصل بموجب الاتفاق على منصب نائب رئيس الكنيست ورئاسة لجنة الداخلية البرلمانية و”لجنة شؤون العرب”. كما ان بنود الاتفاق تنص على تعديل قانون “كمينتس” خلال 120 يوماً، وهو قانون سنّه الكنيست عام 2017، ويهدف إلى تسريع وتيرة الهدم الفعلي للمنازل الفلسطينية عن طريق تقليص صلاحيّات المحاكم في البتّ بملفّات “البناء غير المرخّص” وتحويلها إلى جهات إداريّة قُطريّة، وإلزام السلطات المحليّة الفلسطينية بأخذ دور فعال في عمليات الهدم أو معاقبتهم لرفضهم ذلك.
يضاف الى ذلك، الاعتراف بثلاث قرى فلسطينية في النقب خلال 45 يوماً من تشكيل الحكومة، والاعتراف بباقي القرى الفلسطينية في الداخل المحتل، في غضون 9 أشهر.
في المقابل، اعترضت الأحزاب العربية على دعم عباس لاتفاق الائتلاف والمشاركة فيه ولا سيما في ظل ترؤس اليميني المتطرف نفتالي بينيت الحكومة أولاً بموجب الاتفاق، علماً ان عباس كان اثار حفيظة الفلسطينيين بعدما اعرب عن استعداده قبل الانتخابات التشريعية التي جرت في آذار الماضي، للعمل مع نتانياهو في مواجهة تفشي الجريمة في الوسط العربي. فانشقت بعدها القائمة بزعامة عباس عن القائمة المشتركة التي كانت تجمع الأحزاب العربية، للترشح للانتخابات.
وقد قالت الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة والحزب الشيوعي العربيان ان عباس يدعم حكومة “لا تلتزم بوقف التطهير العرقي في القدس الشرقية المحتلة والانتهاكات والاستفزازات في المسجد الأقصى، بعدما رفضها اليمين، مما يضفي الشرعية على سياسة التنكّر لحقوق الشعب الفلسطيني”. كما اتهمته جهات فلسطينية اخرى بأنه يسعى الى إنشاء قيادة بديلة لفلسطينيي 48 في وقت لم يطالب عباس بإلغاء قانون القومية الذي أقر في العام 2018 ويكرس الطابع اليهودي للدولة.
فعباس سيكون عليه ان يواجه اي تحديات اسرائيلية في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية، اذ ان بينيت اكثر تشدداً من نتنياهو في ما يتعلق بهذا الموضوع. وسيكون عليه ان يمشي على حبل رفيع في سياسته: الاستمرار بالتوسع الاستيطاني في الضفة الغربية بشكل كاف ليحافظ على دهم حزبه “يمينا” وحزب “الأمل الجديد” بزعامة جدعون سار… من دون إثارة حفيظة، لا حزب العمل وميرتس (وهما في الائتلاف الحكومي وملتزمان بحل الدولتين ويعارضان المستوطنات والضم) ولا القائمة العربية المشتركة التي سيؤدي انسحابها من الحكومة الى فرط عقدها. كل ذلك من دون الأخذ في الحسبان اي حدث غير متوقع مثل استفزاز اليمين المتطرف لاسرائيل او قرار حماس العودة إلى المواجهة مع تل ابيب.

هدنة مع واشنطن

وماذا عن العلاقة مع الولايات المتحدة الأميركية؟
مما لا شك فيه ان الحكومة الائتلافية الجديدة ستدخل في هدنة غير معلنة مع واشنطن بعدما كان التوتر سيد العلاقات خلال عهد حكومة نتنياهو، اكان بالنسبة الى الاتفاق النووي الايراني ام الأعمال الاستفزازية تجاه الفلسطينيين، الا اذا طرأ ما هو غير في الحسبان مع حركة حماس.
فبينيت، رئيس الحكومة الجديد، سيكون مشغولاً بالحد من التوترات الداخلية المكهربة داخل حكومته حفاظاً على ما يشبه التماسك بين مكوناتها، ولا سيما لجهة كبح قناعاته في التوسع الاستيطاني ومعارضته الصلبة لإقامة دولة فلسطينية، في وقت سيعمل لابيد الذي سيكون وزيراً للخارجية في اول سنتين، على إصلاح العلاقة مع كل من واشنطن والجالية اليهودية الأميركية.
مع الأولى، سيكون عليه استمالة من جهة، الديمقراطيين الذين يدفعون الرئيس الأميركي جو بايدن الى التشدد حيال اسرائيل وعدم “اعطائها بطاقة بيضاء في سياستها”، ومن أخرى الحفاظ على علاقة جيدة مع الجمهوريين الذين يفضلون نتنياهو ولا سيما لجهة موقفه من الاتفاق النووي الايراني الذي تسعى ادارة بايدن لإبرامه بقوه عبر مفاوضات فيينا.
وقد برزت الليونة الاسرائيلية الجديدة أخيراً خلال زيارة وزير الدفاع الإسرائيلي بيني غانتس الى واشنطن حيث التقى نظيره لويد أوستن في 3 حزيران2021 ، فقال “أنا أدرك جيدا أهمية الحوار حول الاتفاق المستقبلي الذي سيوقف التسلّح النووي”، لافتاً الى ان “حوارنا هام للغاية لضمان أن يحقّق أيّ اتفاق هدفه بفعالية بالإبقاء على إيران بعيدة عن الأسلحة النووية”.
هذا في وقت كان أعلن نتنياهو في السابق ان “منع إيران من أن تصبح قوة نووية أمر حيوي حتى لو جاء على حساب المواجهة مع واشنطن”.
في هذه الأثناء، وتقويضاً للخوف الاسرائيلي من الصواريخ التي تملكها حماس بتمويل ايراني، اكد مسؤول حكومي أميركي خلال زيارة غانتس، أن إدارة بايدن ستطلب من الكونغرس المصادقة على حزمة مساعدات عسكرية ومالية لإسرائيل قيمتها مليار و200 مليون دولار لتعزيز القبة الحديدية.
هذا علماً ان الهدنة التي سيحصل عليها بايدن حيال الموقف الاسرائيلي من الاتفاق النووي الايراني مرجحة الا تدوم طويلاً، اذ انه حتى لو جرّد إيران من حقها في تخصيب اليورانيوم إلى الأبد فإن الأمر لن يكون كافياً في ظل السياسة الايرانية الاقليمية المرتكزة الى دعم ميليشيات الحشد الشعبي في العراق، والحوثيين في اليمن، وحماس في غزة، وحزب الله في لبنان.
اما مع الثانية، اي الجالية اليهودية الأميركية، فيملك بينيت نقطة لصالحه تتمثل في غياب الأحزاب الارثوذكسية المتشددة عن الحكومة، مما سيخفف من سيطرة الأحزاب الأرثوذكسية المتطرفة على عدد من جوانب الأحوال الشخصية في الحياة اليهودية، وعلى سبيل المثال، ما يتعلق بالزواج والطلاق والتحويل وغيره.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات