Search
728 x 90

تموضعات اقليمية بعيداً من واشنطن

تموضعات اقليمية بعيداً من واشنطن

من الواضح بالنسبة الى مراقبين ديبلوماسيين في بيروت ان المكسب الاكبر الذي قد يصب في مصلحة ايران ابعد من العودة الى العمل بالاتفاق النووي ورفع الولايات المتحدة جزءاً من العقوبات الاميركية عليها، هو الابتعاد من دول المنطقة حلفاء الامس عن واشنطن في اتجاه سياسة تؤمن مصالحهم في الدرجة الاولى وعدم الاعتماد على واشنطن كما في السابق.

تظهر الدول الاقليمية من خلال اجتماعات لافتة تبدو انها تواكب قرب الاعلان عن العودة الى العمل بالاتفاق النووي ان هذه الدول لم تعد تتوقع الكثير من الولايات المتحدة ولا تعوّل عليها. اذ برز في الآونة الاخيرة الاستياء الذي لم تخفه واشنطن من استقبال دولة الامارات العربية رئيس النظام السوري بشار الاسد على غير ما تشدد العاصمة الاميركية وترغب بعدم التطبيع مع النظام على نحو اكد التباعد الذي برز ايضاً في امتناع الامارات عن التصويت ضد روسيا في مجلس الامن باعتبارها عضواً غير دائم في المجلس في هذه المرحلة.

كما ان الامارات كما المملكة السعودية لم تجاريا دعوة الولايات المتحدة الى زيادة ضخ كمية النفط في العالم بفعل الاجتياح الروسي لاوكرانيا والعقوبات على روسيا انسجاماً كما تردد مع الاتفاقات المعقودة ضمن منظمة اوبك بلس حول كميات النفط المتفق عليها مع روسيا. ومع ان رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون قام بزيارة اخيراً الى المملكة فُسّرت انها بالنيابة عن واشنطن ايضاً، فإن الامور لم تتغير فيما تستمر السعودية بتلقي وابل من الاعتداءات الحوثية في ظل اكتفاء واشنطن في شكل خاص بإدانة الصواريخ التي يطلقها الحوثيون ليس الا.

وكانت ادارة الرئيس جو بايدن بادرت فور تسلمها الرئاسة الاميركية الى رفع اسم الحوثيين عن قائمة التنظيمات الارهابية ورفع العقوبات عنها فيما كان تثبيتاً لعلاقة لم تنطلق على نحو جيّد بين الادارة الديموقراطية والحلفاء من دول الخليج العربي. وزاد من وطأة التباعد تأكيد واشنطن رغبتها في الانسحاب من شؤون المنطقة باستثناء الاهتمام بالعودة الى العمل بالاتفاق النووي بعيداً من اخذ مصالح هؤلاء الحلفاء في الاعتبار. اذ ان المعطيات عن نيّة الادارة الى رفع الحرس الثوري الايراني عن لائحة العقوبات مسايرة لطهران في موازاة العودة الى التزام الاتفاق النووي تعد امراً بالغ السلبية ولا يأخذ في الاعتبار الاذى الذي ترتكبه ايران في المنطقة.

لم تشأ الدول الخليجية والعربية عموماً اتخاذ موقف حاسم ضد روسيا، وان دانت الحرب على اوكرانيا ولم تؤيدها، وكان لافتا أمام الفتور في العلاقات بين الرئيس بايدن وولي العهد السعودي محمد بن سلمان ان تزدهر العلاقات الصينية السعودية من دون ضجيج. واجرت الرياض وبكين مباحثات من أجل تسعير بعض الصادرات السعودية النفطية إلى الصين باليوان في ما يشكل خطوة ثورية في الاقتصاد العالمي إن تم تنفيذها، ومن شأن ذلك زعزعة مكانة الدولار كعملة رئيسية في تسعير البترول، ما قد يثير اعتراض واشنطن في الوقت الذي فرضت روسيا قبل ايام بيع صادراتها النفطية بالروبل بدلا من الدولار ردا على العقوبات الغربية عليها.

ولكن اذا كان رد الفعل من روسيا مفهوماً في هذا السياق، فإن واشنطن كانت حساسة جداً على تعاون حلفائها في المنطقة مع الصين. لا بل كمؤشر على استمرار الفتور فإن ادارة بايدن راودتها اخيراً فكرة الاستعانة بالنفط الايراني بعد انجاز العودة الى الاتفاق النووي ورفع العقوبات عن ايران فيما انها تقارب العلاقات مع حلفائها من الدول الخليجية بقفازات ولا تبادر الى مقاربة مختلفة على خلفية ان بايدن لا يرغب في الانفتاح على ولي العهد السعودي محمد بن سلمان نتيجة لتحفظاته في موضوع مقتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي في القنصلية السعودية في تركيا.
مجمل هذه الامور ساهمت في اهتمام دول المنطقة بإدارة شؤونها بنفسها بعيداً من واشنطن او مصالحها. كان الاجتماع الاخير في شرم الشيخ الذي ضم  الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الثلاثاء مع ولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد آل نهيان ورئيس الوزراء الإسرائيلي نفتالي بينيت تردد انه تناول تداعيات الحرب في أوكرانيا. ولكن الامور اكثر تعقيداً في المنطقة بفعل الحرب في اوكرانيا وتأثيرها على الدور الروسي من دون اهمال استعدادات ايران لان تستعيد دورها او موقعها بقوة بعد رفع العقوبات الاميركية عنها. وبعد ايام قليلة على هذا الاجتماع، استضاف الملك الأردني عبد الله الثاني في العقبة ولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد آل نهيان والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ورئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي بحضور وزير الدولة السعودي الأمير تركي بن محمد، ومستشار الشؤون الخاصة بوزارة شؤون الرئاسة الإماراتية محمد بن حمد بن طحنون.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات