Search
728 x 90

تطويق مالي وقانوني … “الفاريز” او العقوبات

تطويق مالي وقانوني … “الفاريز” او العقوبات

“… من لا يريد التدقيق الجنائي؟ ومن لا يريد كشف الفاسدين والسارقين واستعادة اموال المودعين؟”
لسان حال الجميع، مواطنين ومسؤولين، سارقين ومسروقين. لكن بأي معيار وبأي آلية محاسبة… وبأي ثمن؟
الفرضيات والتحليلات كثيرة، الا ان الخبير الاقتصادي د. ايلي يشوعي يؤكد لموقع beirutinsights ان المهم انطلاق قطار عمل “الفاريز ومارسال”… والا التعويل على القضاء المحلي وعلى العقوبات الخارجية.

بين تحذير رئيس الجمهورية العماد ميشال عون باسم الشعب اللبناني “الجانب اللبناني، وتحديدًا وزارة المال والمصرف المركزي، المجتمعين مع شركة التدقيق الجنائي الفاريز ومرسال من اي محاولة لتعطيل التدقيق الجنائي”، وتحميلهما المسؤولية… وبين تقاذف مسؤوليات ما يُعتبر تعطيلاً للتدقيق، ان كان من قبل وزارة المال او مصرف لبنان او غيرهما، ينفض كل طرف يديه على اساس “انني قمت بما هو المطلوب مني”.
مبدئياً، قد يبدو التدقيق على السكة الصحيحة: جميع الافرقاء يطالبون به ظاهرياً، مجلس النواب صادق على قانون رفع السرية المصرفية – وان كان ربطه بمهلة سنة فقط وبالتدقيق حصراً-، مصرف لبنان اجاب على اسئلة “الفاريز ومارسال” المئة بعدما كانت اجوبته انحصرت بـ 42% من اسئلتها كما كشف وزير المال غازي وزني في السابق… فهل التدقيق قابل لبدء العمل به لتحديد حجم خسائر لبنان وكيفية توزيعها على الجهات الثلاث: الدولة ومصرف لبنان والمصارف بحيث يتم تشريح “الهندسات المالية” لمصرف لبنان في السنوات الخمس الأخيرة… ام ان “تحت السواهي دواهي” والمطلوب من التدقيق ابعد بكثير من مجرد تحديد مسؤوليات الهدر او توزيع الخسائر المالية؟


الخبير الاقتصادي د. ايلي يشوعي لا يرسم صورة قاتمة بهذا الشكل عن الاوضاع حالياً، لا بل يبدأ بالتأكيد ان رفع السرية المصرفية لسنة واحدة فقط، هو فترة كافية لتقوم شركة “الفاريز ومارسال” بمهمتها كاملة. اما التشكيك في مهنيتها فلا يجوز، يقول يشوعي، طالما انها شركة متخصصة في هذا المجال، وإن لم تكن تملك الخبرة التي تملكها شركات اخرى في هذا الاطار. فهي ستبحث عن اسباب الارقام الموجودة، اين هي الاموال المفقودة، لماذا فقدت وكيف، لمصلحة من، من افاد منها، بأي وسائل؟ الخ… واذا كانت البداية من المصرف المركزي، فلأن اكبر كمية من اموال المودعين الخاصة مفقودة في داخله، وهي كناية عن فجوة مالية من 52 مليار دولار، 7 مليار منها هُدرت على دعم افاد منه كثيرون… لكن ليس المواطنين حتماً، علماً ان هذا الدعم تم من اموال المودعين وليس من الاموال العامة.
فالهندسات المالية العام 2016 وحده، استقطبت 12 مليار و300 مليون دولار من اموال المودعين في المصارف، جاعلة هذه الأخيرة تربح في عملية “swap” 5 مليارات و300 مليون دولار. ثم لماذا توقف مصرف لبنان عن نشر حسابات الأرباح والخسائر منذ العام 2002، اي عندما بدأ بالخسارة بعدما كان يدفع فوائد محلية بالدولار اعلى بكثير مما كان يتقاضاه بفعل استثماراته في الخارج. فالمصارف مثلاً، كانت تملك حتى ايلول 2019 موجودات خارجية بقيمة 21 مليار دولار، استقطبها كلها مصرف لبنان بعدما غرر بها بواسطة نسب الفوائد المرتفعة.
اما اتهام القضاء اللبناني بعدم التحرك فهو في غير محله، اذ ان القضاء سبق وتحرك مرتين حيال مصرف لبنان: الاولى حول هدر في مسالة الدعم والثانية حول التحويلات بالعملات الصعبة الى الخارج. وإذا لم يكن التعويل تم على الاجهزة القضائية الداخلية فقط، فخوفاً من التسييس ومن التدخلات السياسية.
يبقى انتظار جواب “الفاريز ومارسال” بما توافر لها من اجوبة وارقام من مصرف لبنان اذا كانت ستقوم بهذه المهمة او ان تعتذر عنها – يؤكد يشوعي. فإذا انطلق قطار عملها يكون لبنان في انتظار نتائج تقريرها النهائي… اللهم الا اذا تم التلاعب به بطريقة او اخرى. وإلا يبقى التعويل على القضاء المحلي او على العقوبات الخارجية التي ستنجم عن التشكيك الخارجي بمصادر اموال بعض المسؤولين وبطبيعتها.
في المقابل، يبادر خبير اقتصادي مطلع على سير الامور الى تشريح عملية التدقيق الجنائي الراهن برمتها.
اولاً ، يبرز تشكيك من اكثر من جهة باختصاص “الفاريز ومارسال” في مسألة التدقيق الجنائي. ولمن لا يصدق فليطلع على اسئلتها الى مصرف لبنان (1).
ثانياً، فلنتفق اساساً على المعيار الذي سيتم اعتماده في التدقيق الجنائي؟ هل ستتم المحاسبة وفق معيار International Financial Reporting Standards (IFRS) او USGAAP ام ان الامر سيكون محدوداً بالقوانين الدولية كما “قانون قيصر”، او بالقوانين اللبنانية، وبالتحديد قانون النقد والتسليف، والقوانين المرعية الاجراء في لبنان؟
ثالثاً، ان مهلة السنة التي أًرفقت بتعليق العمل بالسريّة المصرفيّة ليست كافية ابداً لإتمام التدقيق الجنائي خصوصاً ان لا بوادر حكومة في الافق من اجل إقرار عقد جديد للتدقيق الجنائي بعد انسحاب شركة آلفاريز آند مارسال من العقد السابق الذي كان ينص اساساً على تدقيق اولي سيستغرق حتماً اكثر من سنة.
رابعاً، اذا سلمنا جدلاً ان التدقيق الجنائي قد تمّ وظهرت مسؤولية فلان او فلان، اي مرجعية قضائية ستتولى محاسبته، خصوصاً ان نصّ قانون رفع السرية المصرفية حصر استعمال المعلومات التي تُرفع عنها السريّة لغاية التدقيق فقط، مما يمنع القضاء لاحقاً من استعمالها لملاحقة مرتكبي أي جرائم أو مخالفات يمكن أن يكشفها التدقيق.
خامساً، لماذا تمّ تغييب دور الجهات الرقابية المحلية. اين اجهزة رقابة الدولة من التدقيق، اين دور ديوان المحاسبة؟ اين كان دور لجنة الرقابة على المصارف خلال الفترة التي يستهدفها التدقيق، خصوصاً ان وظيفة اللجنة مراقبة عمل المصارف؟ والاهم في مسؤوليتها منع “التركيز” concentration، فكيف اذاً تم التركيز على الاستثمار في سندات خزينة الدولة من دون غيرها من مجالات الاستثمار؟
يضاف الى ذلك وجوب بدء عملية التدقيق في قطوعات الحساب التي ارسلت الى ديوان المحاسبة عن الاعوام الممتدة من 1993 الى 2011، والتي اظهرت فجوة مالية تقارب الـ27 مليار دولار.
وأبعد من ذلك، يقول الخبير الاقتصادي المذكور اعلاه، يجب العودة الى الفجوات المالية التي تعاقبت منذ بدء الحرب في لبنان، وليس فقط الى هندسات مالية تحددت منذ سنوات خمس.
سادساً، ماذا لو تم تسريب كل اجوبة مصرف لبنان كما سبق وتم تسريب اجوبته الـ 42% السابقة الى موقع Forbes Middel East في 29 تشرين الاول 2020 حيث نشرها هذا الأخيرفي مقال تحت عنوان: “فوربس الشرق الأوسط تكشف عن أسئلة “ألفاريز ومرسال”التي رفض مصرف لبنان المركزي الإجابة عليها” . فنشر الموقع بعد 48 ساعة على ارسال مصرف لبنان اجوبته، جدولاً مفصلاً بها، بعدما مهد لها بعبارة:”وقسمت الوثيقة الأسئلة بين تلك المتعلقة بالتدقيق الجنائي، والأسئلة الأخرى المتعلقة بالحوكمة والضوابط، والأسئلة المتعلقة بالبنية التحتية لتكنولوجيا المعلومات (وهذه الأسئلة التي تلقت الشركة إجابات عليها من المصرف المركزي). أما بالنسبة الى الأسئلة المتعلقة بـ “طلب إعداد البنى التحتية”، فقد تمت الإشارة إليها باسم “غير متوافر”. (1)
سابعاً، ماذا لو كشف التدقيق الجنائي ان مخالفة تمت لـ “قانون قيصر”. سيكون لبنان برمته حينئذ في عين العاصفة، وليست فقط الجهة المسؤولة عن المخالفة.
ثامناً، هل هناك ثمن للتدقيق الجنائي؟ فالحسابات الجيو- ستراتيجية كبيرة جداً لوضع يد الخارج على لبنان، يقول الخبير الاقتصادي عينه، بحيث يتم تطويق البلد بشقيّه المالي والقانوني، ولا سيما في ظل “قانون قيصر” الذي سيلوي ذراع لبنان نهائياً… والبداية قد تكون بدأت من اقفال المصارف المراسلة في الخارج حسابات المصارف اللبنانية واعتماداتها.

المراجع
(1) مقال موقع Forbes Middel East في 29 تشرين الاول 2020 تحت عنوان: “فوربس الشرق الأوسط تكشف عن أسئلة “ألفاريز ومرسال”التي رفض مصرف لبنان المركزي الإجابة عليها” https://bit.ly/3wIkdyU

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات