Search
728 x 90

تطورات سريلانكا : نموذج انذار للسلطة في لبنان!

تطورات سريلانكا : نموذج انذار للسلطة في لبنان!

تحولت التطورات الدرامية في سريلانكا الى ” ترند” في لبنان على منصة تويتر نظراً الى تشابه الواقع الانهياري بين البلدين الى حد كبير في الاشهر الاخيرة.

اذ اعلن يوم السبت في 9 تموز فرار الرئيس السريلانكي غوتابايا راجابكسا من مقره الرسمي في العاصمة كولومبو قبل وقت قصير على قيام محتجين غاضبين من أزمة اقتصادية غير مسبوقة باقتحام المجمع الرئاسي ومكاتب الرئيس المجاورة، كما اقتحم متظاهرون غاضبون أيضاً منزل رئيس الوزراء رانيل ويكريميسينغه وأضرموا النار فيه، بينما أعلن الأخير أنه سيتنحى عن منصبه لضمان استمرار الحكومة وسلامة جميع المواطنين.

وتأتي هذه التطورات على خلفية انهيار اقتصادي كبير منذ اشهر في البلاد بحيث فقدت سريلانكا العملات الاجنبية التي تتيح لها استيراد المحروقات والقمح والدواء. وهو امر يشبه الى حد بعيد ما بات يعاني منه لبنان ولا يزال في ظل استمرار الازمة السياسية على وقع تبادل الاتهامات وشد الجبال بين اهل الافرقاء السياسيين.

وهروب الرئيس السريلانكي في ظل تدفق حشود ضخمة في سريلانكا التي تعاني بدورها من فساد الطبقة الحاكمة ساهم في قفز عدد كبير من اللبنانيين الى استنتاج ضرورة اعتماد الاسلوب نفسه في لبنان من اجل اطاحة المسؤولين. وسارع مؤيدو التيار العوني في شكل خاص الى الدخول في ردود هجومية مباشرة على تمنيات لبنانيين كثر بأن يستنسخ لبنان تطورات سريلانكا متوعدين ومهددين بعظائم الامور في حال استهدفت تظاهرات مماثلة القصر الرئاسي في لبنان من اجل اجبار الرئيس ميشال عون على الرحيل.

والواقع ان لبنان يختلف الى حد ما عن سريلانكا على الاقل لجهة استمرار رهانه على تحويلات ابنائه المغتربين، وهي كانت توقفت في سريلانكا، وفيما ينتظر لبنان موسم سياحي ناشط هذا الصيف نتيجة زيارات المغتربين الى اهاليهم مما يضخ اموالا صعبة الى لبنان بما يتراوح بين 3 و 4 مليارات دولار بما قد يساعده على الصمود حتى نهاية السنة على الاقل.

 وثمة اقتناع لدى كثر بأن لبنان الذي تتم مساعدته على الاقل على المستوى الانساني فيما تهتم الولايات المتحدة بإجراء وساطة بينه وبين اسرائيل من اجل ترسيم الحدود البحرية يثير مخاوف كبيرة لدى بعض دول المنطقة وحتى بعض العواصم المؤثرة من ان فقدان الامن الاجتماعي قد يؤدي الى فوضى وعدم استقرار يندرجان في شكل ما على نحو يشبه الوضع في سريلانكا . فما حصل هناك ينبغي ان يشكل انذاراً على الاقل للمسؤولين في لبنان بأن الامور قد تذهب في حال تدحرجها الانهياري على نحو اكبر في هذا الاتجاه.

هناك طبعاً اطمئنان الى امرين: الاول ان تجربة الزحف البشري الى قصر بعبدا والمقار الرئاسية الاخرى، ان في عين التينة مقر رئيس مجلس النواب، وإن السرايا الحكومية حيث مقر رئيس مجلس الوزراء قد عرفها لبنان في محطات مختلفة ولا سيما بعد انتفاضة 17 تشرين الاول 2017 فيما ان الجيش اللبناني وقف حاجزاً بقوة امام تمكين المنتفضين من الوصول الى هذه المقار، حتى انه اصطدم معهم بشراسة ايضاً.

ويتساءل البعض في هذا المجال اذا كان الجيش الذي تصدى لمحاولات الوصول الى قصر بعبدا او سائر المقرات الرئاسية يمكن ان يستمر في ذلك في ظل معاناة العناصر العسكرية بدورها من الانهيار الذي ساهم في تآكل رواتبهم وجنى اعمارهم. وهذه مسألة حساسة لا يجوز اهمالها او تجاهلها.

الامر الثاني هو عامل اطمئنان ضمني بأن اي زحف الى المقرات الرئاسية في لبنان يمكن ان يتم تحويله من الجماعات الحزبية الموالية الى معارك طائفية بكل ما للكلمة من معنى. فمن خلال استخدام العامل الطائفي في انتفاضة 17 تشرين الاول 2019 ولا سيما في اتجاه “حزب الله” الذي اعتبر آنذاك ان الانتفاضة موجهة ضده وضد السلطة التي يدعمها، تم تفخيخ الانتفاضة من الداخل عبر استهداف طائفي لعبت فيه الدراجات النارية من الضاحية الجنوبية حيث البيئة الطائفية والحزبية والتي كانت تقتحم تجمعات المنتفضين من اجل الاعتداء عليهم وتفريقهم.

 ويذكر كثر آنذاك خروج الامين العام للحزب حسن نصرالله بلاءاته المانعة لتغيير السلطة او تغيير الحكومة او اجراء انتخابات نيابية مبكرة. وقد استطاع من خلال ذلك تأمين الحماية لرئيس الجمهورية الذي يعتبر حليفاً له وكذلك تأمين الحماية لرئاسة المجلس النيابية التي تشكل الجزء الآخر مما يسمى الثنائي الشيعي في لبنان فيما خرجت الحكومة عن ارادته باستقالة رئيسها سعد الحريري آنذاك.

وتالياً فإن اي استنساخ لبناني للتطورات الاخيرة في سريلانكا قد يكون صعباً جداً. ويعود ذلك الى ان هذه التطورات التي تميّزت بالطابع السلمي بعيداً من اي اراقة للدماء ولا سيما بعدما عجز الجيش هناك عن التصدي لألوف الناس التي انتقلت سيراً الى المقر الرئاسي نتيجة فقدان المحروقات، بالاضافة الى اضطرار الجيش الى رفع حظر التجول الذي كان مفروضاً من جانبه، قد تؤدي ترجمتها الى حرب اهلية في لبنان بناء على التوظيف السياسي والطوائفي.

والتجربة الوحيدة في التاريخ الحديث التي حصلت في لبنان كانت تجربة انتفاضة 14 اذار السلمية في العام 2005 والتي تميزت بطابع وطني شامل ساهم في تعبئته اغتيال الرئيس رفيق الحريري وتحميل اللبنانيين مسؤولية اغتياله الى سوريا التي كانت تحتل لبنان وتفرض وصايتها عليه كلياً منذ بداية الحرب في العام 1975. ونجحت هذه الانتفاضة في دفع سوريا الى الخروج من لبنان وتغيير المشهد السياسي لمصلحة خصومها وخصوم حلفائها في لبنان ولا سيما “حزب الله”.

ولكن ما حصل منذ ذلك الوقت من تطورات لإعادة المشهد السياسي الى ما قبل 2005 والذي نجح بقوة تبعاً لعمليات اغتيال كثيرة وتعطيل سياسي وتطورات اقليمية ودولية مؤثرة قد يصعب تكرار ظروف الانتفاضة وفرص فرضها التغيير على النحو الذي شهدته سريلانكا وان كان الانهيار والفساد لدى اهل السلطة وسوء ادارة موارد البلاد ابرز العوامل المشتركة بين البلدين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات