Search
728 x 90

ترسيم الحدود البحرية بين السياسي والتقني

ترسيم الحدود البحرية بين السياسي والتقني

من السذاجة الاعتقاد ان لبنان يمكنه ان ينجز ملفاً بأهمية ترسيم حدوده البحرية مع اسرائيل في ظل استمرار ملفات سورية عالقة مع اسرائيل فيما ان لبنان بات مدرجاً رسمياً من ضمن ما يسمى محور الممانعة الذي يضمه الى سوريا من ضمن محور ايران ايضاً.

في لقاء اعلامي مع احدى محطات التلفزة العربية انتقد مساعد وزير الخارجية الاميركية لشؤون الشرق الادنى في ادارة الرئيس السابق دونالد ترامب بشدّة اداء السلطات اللبنانية على الصعيدين الداخلي والخارجي متناولاً في شكل خاص مفاوضات ترسيم الحدود البحرية مع اسرائيل التي انطلقت في 14 ايلول 2020 قبل اسبوعين من الانتخابات الاميركية في 3 تشرين الثاني من العام الماضي .
قال شينكر الذي لم تعيّن الادارة الاميركية الجديدة بديلاً اصيلاً منه بعد في تصريحات أن”الجانب اللبناني كان متعاوناً في بداية المفاوضات مع إسرائيل، لكنه عاد وتراجع وكانت مطالبه تعجيزية ” مضيفاً انه” رغم الواقع الاقتصادي المزري إلا أن الحكومة اللبنانية ليست على عجلة من أمرها والشعب اللبناني يعيش مأساة حقيقية بسبب ممارسات حكومته”.
وأضاف شينكر : “حزب الله لا يكترث ولا تعنيه مصلحة الشعب اللبناني، والسلطة اللبنانية تعاملت مع المفاوضات مع إسرائيل باستهتار كما فعلت بانفجار المرفأ، وأتمنى على إدارة الرئيس جو بايدن أن تعتبر لبنان أولوية”، مشددا على أنه “يجب على إدارة بايدن أن تُشعر اللبنانيين بعواقب تساهلهم مع الفساد وتجاوزات حزب الله”.
بالنسبة الى مسؤولين لبنانيين فإن الاحباط الذي عبّر عنه شينكر ازاء المفاوضات يرتبط بارتباطه شخصياً وارتباط اميركا باسرائيل وحماية مصالحها في الدرجة الاولى وكذلك بعدم قدرته على تحقيق انجاز له ورفض لبنان الرسمي اعطاءه له او لادارة ترامب انتصاراً مجانياً فيما اظهر فوز جو بايدن بالرئاسة الاميركية ان احداً لا يبيع انجازاً او انتصاراً لادارة راحلة، ولذلك توقفت المفاوضات على خلفية انتظار انطلاق الادارة الجديدة ولسعي الى بيعها ما ترغب به من خلال انهاء ملف صعب بين لبنان واسرائيل.
فحين اعلن انطلاق المفاوضات قبيل اسبوعين من الانتخابات كان ذلك ربطاً للنزاع من جانب ايران تحديداً عبر الثنائي الشيعي الذي يضمّ حركة امل التي يتزعمها رئيس مجلس النواب نبيه بري و” حزب الله” باعتبار ان المفاوضات الاميركية خلال ما يزيد على عشر سنوات جرت مع بري تحديداً علماً ان من يتولى المفاوضات في لبنان هي الحكومة وليس رئيس مجلس النواب. والغاية منها كانت تحسّب ايران لاحتمال فوز ترامب بالرئاسة مجدداً واظهار حسن نيّتها عبر ملف تتحكم به بواسطة حلفائها وليس من خلال ملف يخصّها او يعنيها مباشرة. وفي ذلك تعبير صارخ عن سيطرتها ونفوذها الممتد الى شواطئ المتوسط وحتى الحدود مع اسرائيل عبر ذراعها الاقوى في المنطقة والتي يشكلها ” حزب الله” ولكن ايضاً اعترافاً اميركياً ضمنياً بذلك والتعامل مع الامر الواقع الذي يمثله امساك ” حزب الله” بملف المفاوضات حتى لو اخرج ظاهرياً من يده بعد انطلاق المفاوضات الى يد رئيس الجمهورية. فهذا الاخير هو حليف للحزب الذي دعم وصوله الى الرئاسة الاولى ويمسك بقوة بورقة تحالفه معه.
وما ظهر في توقف المفاوضات ظاهرياً ليس انتظار ادارة بايدن ومساومتها المحتملة على هذا الملف علماً ان الامر غدا مرتبطاً بفتح واشنطن ملف الاتفاق النووي مع ايران بحيث يمكن ان تسري مفاعيل الانفتاح او التسوية الاميركية الايرانية على جملة ملفات في المنطقة ومن بينها ملف المفاوضات، بل هو رفع لبنان سقف مطالبه على خلفية ان منطقته الاقتصادية الخالصة تتعدى بكثير ما سبق ان اقرّته الحكومات السابقة.
ولا يبدو طبيعياً او منطقياً ان ينجز ترسيم الحدود البحرية بين لبنان واسرائيل في 3 او 4 جلسات للتفاوض ويتوقع ان يرفع كل فريق سقف ما يريده من اجل الحصول على الحد الاقصى الممكن ولكن ايضا لعدم متابعة المفاوضات . فهذه النقطة شائكة بالنسبة الى لبنان الذي انطلق في المفاوضات على قاعدة الخط المبدئي الذي رسمه الوسيط الاميركي فرديريك هوف وفاوض على اساسه مع الرئيس بري فيما عاد واعلن عن حقه في استرجاع مسافة 32 متراً من البر تصل الى 2280 متراً مربعا في البحر. يقول هوف في روايته عن دوره في ترسيم الحدود في مقال كتبه في مجلة ” نيوز لاين الاميركية عن الثقة المفقودة بين الجانبين اللبناني والاسرائيلي، وهو امر بديهي ومفهوم بين دولتين عدوتين منذ تأسيس دولة اسرائيل في 1948 والحروب الاسرائيلية المستمرة على لبنان ، ” أن ما من صيغة واحدة تناسب الجميع لترسيم الحدود البحرية المتنازع عليها، بل هناك مبادئ وإجراءات يُنظر إليها على أنها مناسبة، من ناحية رسم الخرائط والقانون الدولي. كما هناك أيضاً متغيرات، غالباً ما يكون لها علاقة بصلاحية ووزن النقاط المرجعية الأرضية على جانبيّ الحدود (في هذه الحالة الخط الأزرق) التي تستخدم مسافات متساوية لعرض خط.”
وحسب هوف دائماً، أنتج لبنان وإسرائيل خطاً يمتد من حيث يلتقي البلدان على الصخور المغسولة بالأمواج في رأس الناقورة، على بعد 70 ميلاً تقريباً من البحر، ويلتقي بخط المطالبة العمودي الذي أنشأته جمهورية قبرص وقبلته كل من إسرائيل ولبنان. لقد فعل لبنان ما في وسعه، ضمن المعايير العرفية المقبولة، لجعل هذا الخط ينحني جنوباً، بحيث يلمس تقريباً الحقول الاستكشافية الإسرائيلية. بدورها، فعلت إسرائيل ما في وسعها، لجعل خطها ينحرف نحو الشمال. وبذلك بقي 882 كيلومتراً مربعاً من البحر الأبيض المتوسط محل نزاع.
بعد كل شيء، لم تكن هناك محادثات مباشرة بين الطرفين. مرّت المحادثات من خلال الوسطاء، وكان كل جانب يميل بشدة إلى الاعتقاد بأن الآخر يريد عبر المفاوضات ببساطة سرقة أكبر قدر ممكن؛ وأن الجانب الآخر قد رسم بشكل فظ خطاً تعسفياً يهدف إلى تعظيم المكاسب على حسابه. وفي هذا الصدد، لعب ميليفسكي دوراً أساسياً في إقناع الخبراء الإسرائيليين أنّ نظراءهم اللبنانيين ليسوا لصوصاً نهمين، وتمّكن من إقناع الخبراء اللبنانيين بأن إسرائيل ليست عازمة على سرقة الموارد الطبيعية اللبنانية.
لم يتزحزح اللبنانيون والإسرائيليون في اتجاه التنازل والتسوية. وكانا يأملان في أن يصدر الحكم الأميركي بالكامل لصالح أي منهما، لذلك يضيف هوف: “لم أكن على وشك أن أحكم لهذا الطرف أو ذاك. لم يكن هذا تحكيماً إجبارياً، وحتى لو كان كذلك، فإن تميز العروض التقديمية من كلا الجانبين أقنعني أن هذه ليست حالة بسيطة من الصواب والخطأ. على العكس من ذلك، كنتُ حائراً في ما ينبغي أن أقترحه لأنّ الجانبين دافعا عن قضيتيهما برصانة”.
بالنسبة الى اسرائيل التي اشار هوف انها قبلت بعد عقد من الزمن بالجلوس الى طاولة التفاوض مع لبنان برعاية اممية ، فهي قد تكون طامحة الى انهاء ملف يعزز اتفاقياتها وقدراتها في المنطقة مع تحوّلها من مستورد للغاز إلى مصدّر له. ترافق ذلك مع انضمامها إلى منتدى غاز شرق البحر المتوسط في كانون الثاني 2019، وتوقيع اتفاقية لتصدير الغاز إلى مصر في كانون الأول 2019، واتفاقية أخرى مع قبرص واليونان في كانون الثاني 2020 لإنشاء أنبوب “إيست ميد” لنقل الغاز من اسرائيل الى اوروبا. وهذا يضعها في موقع اكثر راحة وافضلية بالنسبة الى ما يواجهه لبنان الذي يواجه وضعاً اكثر حرجاً.
ما يسلط الضوء على وجود مشكلة من جانب لبنان ليس الموقف الاميركي الذي عبّر عنه شينكر بل واقع خلاف داخلي يدفع فيه رئيس الجمهورية حول تعديل المقاربة التي ينطلق منها ترسيم الحدود من البر عبر رغبته في صدور مرسوم يتبنى ذلك ويتم توجيه رسالة الى الامم المتحدة في هذا الشأن فيما رفض رئيس مجلس النواب ذلك في ظل غياب حكومة فاعلة. وذلك رغم ان الذهاب الى انجاز ترسيم الحدود البحرية في حد ذاته في هذه المرحلة يقع موقع تشكيك كبير في ظل وجود اعتبارات لا تتصل بربط الملف بالملف النووي الايراني فحسب بل بسوريا ايضاً.
فحين بدأ هوف وساطته من اجل ترسيم الحدود في 2010 كانت ثمة جهود مماثلة له على خط محاولة انجاز اتفاق سوري – اسرائيلي حول الجولان المحتل. اذ من السذاجة لا بل من الغباء الاعتقاد ان لبنان يمكنه ان ينجز ملفاً بأهمية ترسيم حدوده البحرية مع اسرائيل في ظل استمرار ملفات سورية عالقة مع اسرائيل. وتبعا لذلك فإنه من السذاجة الاعتقاد بأن لبنان يمكنه او انه يريد انجاز هذا الملف بمعزل عن اي تطور على الجانب السوري – الاسرائيلي لأنه يساهم في المزيد من عزلة النظام السوري فيما ان لبنان بات مدرجاً رسمياً من ضمن ما يسمى محور الممانعة الذي يضمه الى سوريا من ضمن محور ايران ايضاً. وهذا لا يعطي اسرائيل حقاً في منطقها او مقاربتها لترسيم الحدود ، ولكن المشكلات من الجانب اللبناني اكبر من القدرة على اخفائها في مقابل الاطماع الاسرائيلية.
وفي دراسة اصدرها رئيس الحكومة السابق فؤاد السنيورة في تشرين الثاني من العام 2020 معززة بكل الوثائق والملاحق ، روى فيها تسلسل تطور مسار الاتفاق على المنطقة الاقتصادية الخالصة ولكنه كشف في الوقت نفسه الكباش حول رغبة ” حزب الله” في دحض ما شارك فيه في خلال الحكومات السابقة واظهار انه هو المدافع عن سيادة لبنان وحقوقه على غير ما قام به رؤساء الحكومات . يقول السنيورة في الدراسة التي حملت عنوان «ترسيم حدود المنطقة الاقتصادية الخالصة للبنان»، انه وبناء على التمني الذي ألحَّت عليه الحكومة القبرصية على لبنان للقيام بالعمل المشترك من أجل تحديد حدود المنطقة الاقتصادية الخالصة بين البلدين، بادرت الحكومة اللبنانية، وعبر الوزارات المعنية من أجل القيام بذلك العمل المشترك بهدف البدء بأعمال الاستكشاف لمكامن البترول والغاز كل في منطقته. وبناء على ذلك، شرح تسلسل الامور على نحو قيم.
عقد لبنان واسرائيل ثلاث جولات فقط من التفاوض عُقدت في شهري تشرين الاول وتشرين الثاني 2020 في مركز تابع للأمم المتحدة في الناقورة اللبنانية، وذلك بحضور الوسيط الأميركي. انطلقت الجولة الأولى يوم 14 تشرين الأول، والثانية على مرحلتين يومي 28 و29 من الشهر نفسه، والثالثة يوم 11 تشرين الثاني. وكان المفترض أن تجرى جولة رابعة يوم 2 كانون الأول، لكن تمّ إرجاؤها إلى أجل غير مسمّى. اقتصرت الجولة الأولى على عرض وجهة نظر الفريقين، وشهدت الثانية رفع الجانب اللبناني لسقف مطالبه فسارعت إسرائيل إلى تقديم ادعاءات إضافية داخل المياه اللبنانية.
اظهر هوف تفاؤلا في مقاله في “نيوزلاين “حتى لو لم تسجل جولات التفاوض اي اختراق “على الاقل وجود الفريقين في الغرفة نفسها في مقر اليونيفيل. وهذا امر رفضته اسرائيل قبل عقد من الزمن” كما قال . اضاف” لقد فشلت في النهاية. لكن من غير الحكمة ان يتجاهل طرفا هذا النزاع ما انجزاه بمساعدة اميركية بحسن نية منذ ما يقارب عقد من الزمن. ربما يمكنهم محاولة تحسين ما فعله اسلافهم في شكل هامشي مع مراعاة عدم حدوث اي تقدم من دون اتفاق متبادل”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات