Search
728 x 90

تراجعات العهد وحليفه: استهداف المطران نموذجاً

تراجعات العهد وحليفه: استهداف المطران نموذجاً

في بلد يعاني هذا التراكم من الازمات المخيفة كلبنان كان يفترض بأن تطوى قضية طارئة شكلها التعرض لاحد أساقفة الكنيسة المارونية المطران موسى الحاج بعدما جرى توقيفه عند بوابة الناقورة وصودرت الأموال والأدوية التي كان ينقلها من لبنانيين فارين الى الأراضي المحتلة الى عائلاتهم في لبنان.

ولكن تمادي هذه القضية فيما البلد يغرق في مزيد من تداعيات الازمات المالية والحياتية والاجتماعية في كل اتجاه ينذر بانزلاق البلاد عن عمد وقصد او عفوياً نحو مناخات يراد لها على ما يبدو ان ترفع الصراخ الطائفي عند مشارف الاستحقاق الرئاسي بما يأخذ الوضع برمته الى متاهات جديدة من الفوضى الداخلية.

بدت الشبهة واضحة في استغلال قضية المطران الحاج لجهة إعادة النفخ في نغم مقيت قديم يعتمد تخوين جهات معينة واتهامها بالعمل على تسهيل التطبيع مع إسرائيل بما شكل غمزاً من قناة بكركي والجهات المسيحية المناهضة لـ”حزب الله” . سكت “حزب الله” طوال أيام الأسبوع الذي تفجرت فيه هذه القضية مراقباً سلوكيات ومواقف حليفه المسيحي العهد العوني وتياره السياسي برئاسة جبران باسيل. ولما بدا له بشكل شديد الوضوح ان لا العهد ولا “التيار الوطني الحر” تمكنا من احتواء التداعيات الحادة لانتهاك مكانة المطران وبدءا تالياً الاقتراب من موجة الاستنكارات والشجب والادانة للتعرض للمطران واسقاط كل معزوفة الاتهام الافتراءي بحقه انبرى كبير نواب “حزب الله” محمد رعد المعروف غالباً بنبرته الجافة والاستعلائية ليطلق اتهاماً مباشراً للمطران من دون ان يسميه بالتعامل مع إسرائيل وليستنكر التفاف الطائفة حوله.

في الادبيات المعروفة عن رعد وعن مسؤولي الحزب عموماً لم يكن مستغرباً ان يدرج هذه القضية في مصاف التعامل مع إسرائيل لكن التوقيت المتأخر لاطلاق موقف اثار مزيداً من الالتفاف حول البطريركية المارونية وزاد اليقين بأن انامل وبصمات “حزب الله” لم تكن بعيدة أساساً عن استهداف المطران الحاج. ذلك ان هذه القضية بمجملها منذ افتعالها بدت بمثابة اثبات قاطع على التخبط الذي يطبع هذه المرحلة النهائية من العهد العوني والذي ينعكس على سلوكيات إمنية وقضائية كما على التخبط السياسي حيال الملفات المصيرية التي يواجهها لبنان.

ادرج افتعال هذا الملف أساساً في خانة العهد، لكن ربما بدا الامر على التباس كبير بين العهد وحليفه “حزب الله” نظرا الى النفوذ القوي الذي يمارسه الحزب داخل القضاء العسكري منذ مدة طويلة. وسواء كانت هذه القضية من صنع العهد او الحزب او من صنع الفوضى لا اكثر فإن مفاعيلها السياسية ارتدت بقوة ضد العهد كما ضد الحزب وأثارت مناخاً من التعبئة الطائفية المسيحية لم تكن لمصلحة العهد طبعاً وسرعان ما بدأت تشكل حالة استقطاب متعددة الطوائف حول بكركي وضد العهد و”حزب الله”.

بذلك يتعين النظر بعمق الى هذه الواقعة من منظار كونها احد نماذج تعامل العهد وحلفائه مع قضايا من شأنها ان تؤثر بقوة على مناخات الاستحقاق الرئاسي. هذه العينة تشكل اثباتاً على تراجع كبير واضح في دقة الحسابات التي توجه الفريق “الممانع” في هذه الحقبة اذ انه لا يزال ماضياً في الاعتقاد بأن ضعف خصومه وعدم توحدهم ضده الذي ترجم في محطات محددة بعد الانتخابات النيابية يكفي للاستمرار في معادلة فرض وجوه الامر الواقع القسري الذي يتحكم بأمور عدة من واقع السلطة. لكن التفكك في مجمل نواحي السلطة الذي بدأ يتصاعد بقوة في الفترة الأخيرة ناهيك عن تصاعد نبض المواجهة للهيمنة التي يمارسها الحزب على السلطة كمثل ما حصل في قضية المطران الحاج بات يرسم الواقع المعاكس والواقعي الذي يفترض ان يشكل جرس انذار للحزب من ان زمن الاستقواء لم يعد يجدي نفعاً في الداخل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات