Search
728 x 90

بين الحقل والبيدر… غزة بدّلت سياسة واشنطن

بين الحقل والبيدر… غزة بدّلت سياسة واشنطن

بين سياسة ادارة باراك أوباما الخارجية التي كانت متمحورة حول التعددية والتدخل المحدود، وأحياناً كثيرة التقاعس عن التحرك، وبين سياسة ادارة دونالد ترامب المرتكزة تارة الى المواجهة وطوراً الى الانكفاء الى الوراء، تحاول ادارة جو بايدن السير على حبل مشدود من العلاقات الدولية تتحكم فيه عالمياً تبعات هاتين السياستين السابقتين. فأتت تطورات قطاع غزة الفلسطيني لتخلط الأوراق اقليمياً، دافعة البيت الأبيض الى اعادة النظر في سياسته الشرق الأوسطية.

قبيل خطاب الرئيس الأميركي جو بايدن حول سياسيته الخارجية، لم يكن الشرق الأوسط ابداً في سلم اولويات اهتمام ادارته، لا بل أكد يومها مسؤول الأمن القومي جيك سوليفان “إذا كنت ستدرج المناطق التي يراها بايدن كأولوية – وهي منطقة آسيا والمحيط الهادئ وأوروبا ومن ثم دول غرب أميركا – فإن الشرق الأوسط ليس في المراكز الثلاثة الأولى، ولا سيما ان القضايا التي تتطلب اهتمام واشنطن قد تغيرت مع عودة المنافسة مع كل من الصين وروسيا”.
وكان بايدن نشر مقالاً في مجلة الشؤون الخارجية، في ربيع 2020 تحت عنوان “لماذا يجب على أميركا أن تقود ثانيةً، إنقاذ سياسة أميركا الخارجية بعد ترامب”، لخص فيه سياسته الخارجية مركزاً على اربعة ملفات مهمة في الشرق الأوسط هي: مكافحة الإرهاب، أمن إسرائيل، إيران، والعلاقة مع السعودية… شرط الا يتم انجرار الولايات المتحدة الأميركية الى وحول الشرق الأوسط، كما أشار اليه مستشار مقرب من بايدن. الا ان تطورات قطاع غزة طوال 11 يوماً أعادت خلط الأوراق مجدداً في أروقة البيت الأبيض تزامناً مع إعلان ادارة بايدن الاتفاق على لقاء بين الزعيمين الأميركي بايدن والروسي فلاديمير بوتين في 16 حزيران 2021 في أعقاب اللقاء الأول بين وزيري خارجية واشنطن وموسكو انتوني بلينكن وسيرغي لافروف في 20 ايار 2021.


سفير لبنان السابق في واشنطن رياض طبارة أكد لموقع beirutinsights ان حساب الحقل لم يلتق مع حساب البيدر في السياسة الخارجية الأميركية بالنسبة الى جدولة اولوياتها المتحورة حول حل المشاكل مع روسيا والصين والاحتباس الحراري. فجاءت تطورات غزة لتخلط الأوراق خصوصاً ان الرأي العام الأميركي ولا سيما الديمقراطي منه تبدلت نظرته بالنسبة الى القضية الفلسطينية، ضاغطاً على بايدن كي يتدخل لوقف الاعتداءات الاسرائيلية على الفلسطينيين في اعقاب محاولة تل ابيب تهجير أهالي حي الشيخ جرّاح المقدسي.
وهنا يأتي دور القيادات الديمقراطية المستجدة التي أطلقت عليها الصحف الأميركية اسم “الجناح اليساري الديمقراطي”، امثال النائبة الفلسطينية الأصل، رشيدة طليب وألكسندرا أوكاسيو كورتيز وإلهان عمر الى جانب بيرني ساندرز الذي سعى إلى فرض قرار سبق وأقره بايدن يهدف إلى وقف الكونغرس بيع أسلحة بقيمة 735 مليون دولار لإسرائيل، متسائلاً “هل تسهم المساعدة العسكرية الأميركية في الحفاظ على السلام في المنطقة أو تغذي الصراع”. وقال ساندرز: “في الوقت الذي تدمر فيه القنابل الأميركية غزة وتقتل النساء والأطفال، لا يمكننا ببساطة السماح ببيع أسلحة ضخمة أخرى من دون مناقشتها في الكونغرس”.
من هنا، يقول طبارة، بدا الحزب الديمقراطي مقسوماً على غير عادة في نظرته الى اسرائيل، علماً ان هذا الحزب كان تاريخياً يهودي الهوى، مما اضطر بايدن الى ايلاء اهمية لقضايا الشرق الأوسط وعلى رأسها القضية الفلسطينية. وربما ابرز دليل على ذلك هو وصف عضوة الكونغرس ألكساندريا أوكاسيو كورتيز، إسرائيل بـ “دولة الفصل العنصري” فيما دان علناً السناتور بوب مينينديز – وهو أحد أقوى حلفاء إسرائيل الديمقراطيين- بشكل حاد الضربات الصاروخية التي شنتها إسرائيل على غزة.

وعلى الاثر أكد بايدن خلال مؤتمر صحافي مع نظيره الكوري الجنوبي مون جاي-إن في 22 ايار 2021 ان “لا بديل لحل النزاع في الشرق الأوسط من قيام دولة فلسطينية تعيش جنباً إلى جنب مع الدولة العبرية”، لافتاً الى العمل مع ” مع المجتمع الدولي لتوفير مساعدات مالية كبيرة من أجل إعادة إعمار غزة ولكن من دون إتاحة الفرصة لحماس لإعادة بناء ترسانتها”، مؤكداً على ضرورة أن تعترف دول المنطقة بإسرائيل “بشكل لا لبس فيه”.
وعلى الرغم من هذه التطورات، يؤكد طبارة ان الوضع لا يشكل انتقالاً تاماً للإدارة الأميركية للإهتمام بالشرق الأوسط والقضية الفلسطينية، لكنه يلحظ بعض التغيير النسبي من دون ان يشكل انقلاباً جذرياً في ظل غياب اي محاولة جدية اميركية لحل الملف الفلسطيني رغم التأكيد الاميركية على “حل الدولتين” الذي لا يبدو قابلاً للتنفيذ في ظل توسيع الاستيطان الاسرائيلي.
طبارة يعرب عن اعتقاده بأن حل “الدولة الواحدة” سيكون الأكثر واقعية بدلاً من “حل الدولتين” في ظل التوسع الاستيطاني الاسرائيلي بشكل كبير، اذ ان مئات آلاف المستوطنين موجودون في اراض فلسطينية محتلة. فما هو مصيرهم في هذه الحال؟ هل يتركون الأراضي التي استوطنوا فيها ام يرضون بالبقاء تحت حكم فلسطيني؟ والحالان تشكلان “من سابع المستحيلات” اسرائيلياً.
فعلى الأرجح – يقول طبارة- ان يحظى الفلسطينيون بمحميات كما الهنود الحمر في أميركا لأن حل الدولتين في ظل الظروف القائمة هو بعيد المنال كل البعد… وأقسى الطموح اليوم يتمحور حول المساعدات الإنسانية فقط.
فالإهتمام الأميركي الآن، يشدد طبارة، يتركز على مفاوضات فيينا حيال الاتفاق النووي الايراني، واولى بوادره الاتفاق على رفع العقوبات عن طهران، على ان تكون مرحلة ما بعد الاتفاق في دائرة الضوء، ولا سيما في شقيها: الصواريخ الباليستية الايرانية وعلاقة ايران بدول الجوار عبر الميليشيات التي تمولها طهران في كل من اليمن والعراق ولبنان. اما فلسطين فلا يبدو انها ستكون من اولويات أجندة هذه المرحلة.
وماذا عن قمة بايدن- بوتين في 16 حزيران 2021 في جنيف ؟
انه لقاء مسؤولي دولتين عظميين، يؤكد طبارة. محور قمتهما وضع عنوانه العريض بيان البيت الأبيض الذي أعلن أنه لا يتوقّع تحقيق اختراق كبير خلال القمة، معتبراً أن “الهدف الأساسي منها هو جعل العلاقات بين البلدين أكثر استقراراً.” علماً ان بايدن كان وصف بوتين “بالقاتل” خلال مقابلة في آذار الماضي، قائلاً إن الرئيس الروسي “سيدفع الثمن” لجهوده لتقويض انتخابات 2020 الأميركية. فرد الكرملين مستدعياً سفيره لدى الولايات المتحدة لأول مرة منذ أكثر من 20 عامًا. كما أعلنت الولايات المتحدة في نيسان الماضي أنها ستطرد 10 دبلوماسيين روس، فارضة عقوبات على الشركات والأفراد ردًا على2020 SolarWinds ( هجوم على الحكومة الأميركية وشبكات الكمبيوتر الخاصة) والتدخل في الانتخابات.
فأساس اللقاء سيكون وضع واشنطن النقاط على الحروف في أعقاب “التسليم الاميركي في عهد ترامب بكل الخطوات الروسية” ولا سيما خلال قمة بوتين- ترامب في تموز 2018 في هلسنكي حيث برّأ الرئيس الأميركي موسكو من اي تدخل في انتخابات 2016 على عكس رأي الاستخبارات الأميركية. وبايدن سيثير مع بوتين مسألة مراقبة الاسلحة النووية في أعقاب تمديد الولايات المتحدة وروسيا معاهدة نيوستارت لنزع السلاح لخمسة اعوام بداية شباط الماضي، الى جانب الاتهام الأميركي لروسيا بالتدخل في الانتخابات الأميركية وهجوم SolarWinds 2020 ، كما قضية بيلاروسيا ونظامها برئاسة الكسندر لوكاشنكو الذي تدعمه موسكو، وقضية المعارض الروسي الكسي نافالني.
وفيما ذهبت بعض التحليلات الى القول ان القمة قد تتناول ملفي إيران وكوريا الشمالية النوويين إضافة الى قضية القطب الشمالي والتبدل المناخي وصولا الى الازمة السورية، استبعد طبارة ذلك معتبراً ان اللقاء سيكون على مستوى العلاقات التي تجمع دولتين عظميين. ومن المبكر بحثهما في تفاصيل صغيرة.
فهل تشهد جنيف لقاء قمة سيحذو حذو آخر لقاء اميركي- سوفياتي العام 1985، يوم التقى الرئيس الأميركي رونالد ريغان رئيس الدولة في الاتحاد السوفياتي السابق ميخائيل غورباتشيف؟ فاعتُبرت القمة يومها قصيرة من حيث الشكل ولكنها حاسمة في الجوهر لجهة تعزيز ما سيتحوّل علاقات ودّية بين الرجلين خلال فترة ولايتهما.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات