Search
728 x 90

بين التعويم والتحرير… اين سعر الصرف؟

بين التعويم والتحرير… اين سعر الصرف؟

عندما أعلن حاكم مصرف لبنان رياض سلامة انّ عهد ربط العملة اللبنانية بالدولار انتهى، مستطرداً ان أي تعويم للعملة سيعتمد على مفاوضات مع صندوق النقد الدولي، كثُرت التحليلات والتكهنات حول مصير سعر صرف الليرة مقابل الدولار الذي تخطى عتبة الـ 8500 في السوق السوداء.
فما الفرق بين تعويم العملة وتحريرها، وكيف سيؤثر كل منهما على القدرة الشرائية للمواطن اللبناني؟
الخبيران الاقتصاديان والماليان الدكتور ايلي يشوعي والبروفسور جاسم عجاقة اوضحا لموقع beirutinsights السيناريوهات المحتملة مستقبلاً على المديين القصير والبعيد.

تحرير وتعويم تدريجيان

في 13 آب 2020 ، اوردت الحكومة اللبنانية المستقيلة في خطّتها الاصلاحية تعديلاً في سياسة تثبيت سعر الصرف المحدّد رسمياً بـ1515 ليرة، مقترحة تحريراً تدريجياً للسعر على مدى 5 سنوات، بدءاً من تخفيض قيمة العملة المحلّية إلى 3500 ليرة لبنانية مقابل الدولار في العام 2020، يليه تخفيض تدريجي كالتالي: 3684 ليرة في العام 2021، ثم 3878 ليرة في العام 2022، ثم 4082 ليرة في العام 2023، و 4279 ليرة في العام 2024.
والتحرير هنا يؤدي الى تعويم سعر صرف الليرة بالكامل (اي تحريره بالكامل كما فسّر اقتصاديون يومها) بعد 5 سنوات، تزامناً مع المساعدات المالية الخارجية الى لبنان، علماً ان هؤلاء الاقتصاديين حذروا يومها من تداعيات كارثية على المواطن، بدءاً بشطب ثلثي دخله فور اعتماد سعر صرف الدولار الواحد بـ3500 ليرة، كما رفع الاقساط الشهرية للقروض بالعملة الأجنبية ورفع اسعار السلع المستوردة تلقائياً، مما سيؤثر سلباً ومباشرة على الشركات الخاصة الصغيرة والمتوسطة التي ستتجه نحو الإفلاس السريع، ناهيك عن تراجع قيمة ايرادات الدولة التي تجبي  ضرائبها بالليرة اللبنانية وتدفع ديونها الخارجية بالدولار او  بالعملات الصعبة الأخرى.
اما اليوم، ومع عودة حديث حاكم مصرف لبنان رياض سلامة عن “تعويم” الليرة وربطه مباشرة بمفاوضات صندوق النقد الدولي، فالسؤال البديهي الذي يطرح نفسه هو ما مصير القدرة الشرائية للمواطن اللبناني؟

الخبير الاقتصادي والمالي الدكتور ايلي يشوعي يعود بالتاريخ الى العام 1993، يوم اعتمد حاكم مصرف لبنان سياسة تثبيت النقد تحت شعار “الحفاظ على القوة الشرائية للعائلات اللبنانية” من بعد فترة طويلة من عدم الاستقرار النقدي في الثمانينيات، معتبراً ان هذه السياسة اثبتت فشلها بعدما تغلبت عليها السوق الحرة الحقيقية في العام 2020 ، خصوصاً اثر ربط تثبيت سعر صرف الليرة بفوائد عالية مع الغاء سوقي النقد والقطع واحلال البنك المركزي مكانهما، مما شكل مخالفة للدستور اذ ان لبنان يعتمد على اقتصاد حر، يقول يشوعي.

ماذا يعني تثبيت النقد؟
يؤكد يشوعي ان تثبيت النقد مبدأ يستند الى الفصل بين النقد والاقتصاد، لكن هذا يكون بمثابة فصل الروح عن الجسد، مما يشكل موت الاقتصاد بعد فصله عن النقد، فالوضع اشبه بالخط المستقيم الذي يبرز على آلة قياس عمل القلب لدى وفاة المريض… والخط المستقيم لقياس سعر صرف العملة يعني ان الاقتصاد مات.
فسياسة تثبيت النقد تم التخلي عنها عالمياً مع سقوط اتفاقات Bretton Woods (1) العام 1971 من قبل الولايات المتحدة الاميركية اولاً (في عهد الرئيس ريتشارد نيكسون) بعدما كان الدولار مثبتاً على الذهب (اونصة الذهب ثُبّتت على 35 دولاراً) ، وبقية العملات مثبتة على الدولار. ففي تلك الفترة، اصبح حجم الكتلة النقدية بالدولار كبيراً جداً في اميركا فيما كتلة المخزون الذهبي لم تعد كافية لتلبية طلب التحويل من الدولار الى اونصات ذهبية. من هنا سعي الخبراء الاقتصاديين الاميركيين الى ارتكاز سعر صرف العملة وقيمتها تجاه بقية العملات على تطور نتائج الاقتصاد الوطني للدولة، سلباً ام ايجاباً. وإذ تبيّن ان هذه هي افضل طريقة لتساعد المرونة النقدية الاقتصاد على نموه بشكل افضل، برز تخلي تدريجي في العالم عن النظام الثابت للقطع والانتقال الى النظام المرن له.
ويضيف يشوعي ان الاوروبيين ايضاً حاولوا حتى العام 1991 الارتكاز على نظام الثعبان النقدي monetary snake (2) اي ترك العملات الاوروبية من ضمن هوامش ضيقة (2 او 3% من سعر التقلب) ، وسعّوها الى 5%  ومن ثم 12% و15%  ايضاً من دون نتيجة، مما دفعهم الى التخلي عن هذا النظام، مقررين حينها ان نتائج الاقتصادات الاوروبية هي التي ستتحكم بسعر صرف العملات الاوروبية. اي ان العالم بأجمعه، ولا سيما بعد سقوط الاتحاد السوفياتي ، اعتمد اقتصاد السوق الذي غطى كل الانشطة الاقتصادية، بما فيها سوقي النقد والقطع، بحيث ان قوى السوق (العرض والطلب) هي التي تحدد السعر الوسطي الذي يوافق كل الافرقاء المعنيين بها.

ما الفرق بين تحرير الليرة وتعويمها؟

الخبير المالي والاقتصادي البروفسور جاسم عجاقة والدكتور يشوعي يتفقان على الايجابية التي توحيها كلمة تعويم المرادفة للإنقاذ. اما اقتصادياً، فالتعويم هو تحرير سعر صرف العملة بحيث يكون نتاج العرض والطلب فقط، يؤكد عجاقة مضيفاً ان هناك نوعين من التعويم:
– التعويم الخالص او الكامل الذي لا يتطلب اي تدخل، لا من مصرف لبنان ولا من الحكومة اللبنانية، مهما كانت تقلبات سعر صرف العملة الوطنية.
– التعويم الموجّه يفرض تدخلاً مدروساً من مصرف لبنان بتوجيه من الحكومة، للحفاظ على تقلبات مدروسة لسعر الصرف، بحيث لا يرتفع مثلاً في 24 ساعة من 8500 الى 15000، لا بل يكون الارتفاع او الهبوط – اذا كان هناك من ارتفاع او هبوط – على مراحل وبشكل “ناعم”.
واليوم، يقول عجاقة، لا مجال الا للتعويم الموجّه لأن التعويم الخالص سيعني نهاية حتمية ونهائية للبنانيين.
من جهته، يعتبر يشوعي ان استعمال كلمة تعويم يأتي بشكل خاطئ لأن التعويم يعني الانقاذ، لكن لا انقاذ لليرة لا بل هناك تعامل واقعي معها ، اي التخلي عن سياسة تثبيت النقد واعتماد سياسة المرونة النقدية او الاستقرار النقدي مع الاعتراف بعمل سوقين رئيسيتين:  سوق النقد سوق القطع، اي ان الفوائد وسعر الصرف يُحدّدان عبر الاسواق وفق العرض والطلب، علماً ان البنك المركزي هو اليوم اضعف من الاضعف في السوق الحرة لجهة احتياطاته، يؤكد يشوعي.
اما ربط تعويم الليرة بمفاوضات صندوق النقد الدولي، فيعتبره يشوعي قراراً “متأخراً جداً جداً”، اذ ان حاكم مصرف لبنان يوهم بأنه متمسك بالتثبيت الا انه مضطر للتخلي عنه طالما ان صندوق النقد يفرض عدم تثبيت سعر الصرف والعودة الى المرونة النقدية، معترفاً بذلك بفشل سياسته وتدمير الاقتصاد – عن حسن نيّة او سوء نية – لكن عبر القاء اللوم على صندوق النقد.

وهنا يأتي دور التدقيق الجنائي لتبيان حقيقة الفجوة الموجودة في المصرف المركزي وقدرها 54 مليار دولار ومَن المسؤول عنها، والكلام لا يزال ليشوعي الذي يضيف ان إفلاس الدولة الناجم عن الفساد المالي أساساً لا يعني ان على شعبها ان يفلس لأن امواله يجب ان تكون مصانة في المصارف.
من جهته، يعتبر عجاقة ان المفاوضات مع صندوق النقد الدولي ضرورية لسببين:
– الاول بهدف استقطاب الدولارات الخارجية مما سيدّعم تلقائياً العملة اللبنانية.
– الثاني بهدف ايجاد “مظلة دولية” وعامل ثقة يدفع المواطنين الى التقليل من الطلب على الدولار ومن العرض على العملة الوطنية.
وفي حال عدم وجود مفاوضات صندوق النقد، يقول عجاقة من المفترض ان يكون البديل  مساعدة مالية ضخمة خارجية، على مثال منح قطر 15 مليار دولار لتركيا واقتصادها المتعثّر.

وهل يمكن توقّع سعر الصرف بعد التعويم؟
يؤكد عجاقة ان سعر الصرف اليوم هو سياسي وليس مالياً او نقدياً، ويرتبط بفرضيات سياسية عدة، بدءاً بوقف التهريب او عدمه وصولاً الى التشدد الاميركي حيال لبنان وفرض عقوبات عليه، علماً ان الحاجة الى الدولار في لبنان تقتصر فقط على الاستيراد الذي بدوره لا تعكس ارقامه حاجة السوق اللبنانية في ظل استمرار التهريب عبر الحدود بشكل كبير.
لكن مما لا شك فيه، يقول عجاقة، ان الاستقرار السياسي والاصلاحات سيسهمان بشكل كبير في تراجع سعر الصرف بشكل تدريجي.

وماذا عن دور قرض البنك الدولي عبر “شبكة الأمان الاجتماعي ” بنسبة 246 مليون دولار في المساعدة على تعويم الليرة؟
القرض هذا، إن تم دفعه بالدولار لمساعدة نحو 200 الف عائلة لبنانية سيساعد على الحفاظ على السعر الحالي لصرف الليرة مقابل الدولار، يؤكد يشوعي، اذ على الدولة التي تقبض القرض بالدولار ان تدفعه بالدولار ايضاً… وليس ان ينضم الدولار الى احتياطي العملات الاجنبية في مصرف لبنان كما كشفت تسريبات صحافية، مما يكبّر حجم الكتلة النقدية بالليرة اللبنانية ويفقد لبنان المزيد من احتياطاته.
فقانون النقد والتسليف لا ينص ابداً على اي احتياطي بالعملات الأجنبية في مصرف لبنان – يؤكد يشوعي- لا بل ينص القرار الاساسي رقم 7835 عن الاحتياطي الالزامي على التالي:
“ان حاكم مصرف لبنان بناء على قانون النقد والتسليف ولا سيما المواد 70، 76، 77، 78، 79، و174 منه وبناء على قرار المجلس المركزي المتخذ في جلسته المنعقدة بتاريخ 30/5/2001 يقرر:
الاحتياطي الالزامي النقدي:
المادة الثالثة:
نسبة الاحتياطي الالزامي النقدي:
١ – يفرض على المصارف العاملة في لبنان ، باسـتثناء مصارف الاعمال ومصارف التسليف المتوسط والطويل الاجل، تكوين احتياطي الزامي نقـدي لدى مصرف لبنان على مجموع الالتزامات الصافية بالليرة اللبنانية الخاضعة للاحتياطي الالزامي ( اي بعـد إجراء التنزيلات المسموحة من الالتزامات) وذلك على الشكل التالي :
أ – بنسبة خمـس وعشـرين بالمئـة (25%) مـن المتوسط الاسـبوعي لمجموع الالتزامات تحت الطلب .
ب – بنسبة خمس عشرة بالمئة (15%) من المتوسـط الاسبوعي لمجموع الالتزامات لاجل معين .

وفي المادة الرابعة المتعلقة بمهل وطريقة احتساب الاحتياطي الالزامي النقدي فتنص في بندها الأول على:
– يحــدد الاسبوع الــذي يحتسب علــى اساسه متوســط الالتزامات بالليرات اللبنانية بستة ايام، بدايتـه يـوم الخميس ونهايتـه يـوم الاربعـاء اللاحـق دون احتساب يـوم الأحد.

(1) أسس مؤتمر Bretton Woods نظاماً للمدفوعات يستند إلى الدولار، وهو النظام الذي حدد قيمة كل العملات في مقابل الدولار، القابل بدوره للتحويل إلى الذهب، بمعنى ان الدولار “جيّد كما الذهب” في التجارة، بحيث ان العملة الأميركية باتت العملة العالمية، والمعيار الذي تم ربط كل عملة أخرى به.
(2) شكل “الثعبان النقدي” أول محاولة للتعاون النقدي الأوروبي في السبعينيات ، بهدف الحد من التقلبات بين العملات الأوروبية المختلفة، بحيث تم انشاء نطاق واحد لعملة المجموعة الاقتصادية الأوروبية لربط كل عملات المجموعة مع بعضها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات