Search
728 x 90

بوتين: اما منتصراً واما خارج الحكم… فهل ستهتز حدود اوروبا؟

بوتين: اما منتصراً واما خارج الحكم… فهل ستهتز حدود اوروبا؟

بطلب السويد وفنلندا رسمياً الانضمام الى حلف شمال الأطلسي “الناتو”، تخلت الدولتان عن حيادهما وعدم انحيازهما، فاهتزت خريطة اوروبا مجدداً بعد الحرب الروسية على اوكرانيا، وباتت التطورات مفتوحة على كل الاحتمالات في ظل تأكيد موسكو ان “ردها سيكون مفاجئاً” كما اعلان انقرة – العضو في الناتو- معارضتها المشروطة لانضمام الدولتين الاوروبيتين الى الحلف بحجة ان “الدول الإسكندنافية دار ضيافة لمنظمات إرهابية”، كما قال الرئيس التركي رجب طيب اردوغان.
فهل التهديد الروسي جدّي، وما الذي سيحصل؟
سفير لبنان السابق في واشنطن د. رياض طبارة يقرأ المرحلة المقبلة لموقع beirutinsights انطلاقاً من خبرته الدبلوماسية العميقة.

“انها خطوة تاريخية”، قالها الأمين العام لحلف شمال الأطلسي ينس ستولتنبرغ واصفاً تقديم فنلندا ومن ثم السويد طلب انضمامهما رسمياً الى “الناتو”.
فالناتو، في حال اتمام هذا الأمر سيتوسع ليصل الى حدود روسيا التي تشترك مع فنلندا في حدود طولها 1300 كيلومتر، وباتفاقية “صداقة” وقعتها الدولتان عام 1948 بضغط من موسكو، وتقضي بموافقة القادة الفنلنديين على البقاء خارج التعاون العسكري الغربي والالتزام بنظام حياد قسري عرف بمصطلح “الفنلدة”.
وإذا التزمت السويد وفنلندا تاريخياً الحياد طوال فترة الحرب الباردة، الا ان تعاونهما الوثيق مع “الناتو” يسجل منذ أن ضمت روسيا شبه جزيرة القرم عام 2014… الى ان اتت الحرب الروسية على اوكرانيا لتشكل منعطفاً جذرياً في موقفهما في التخلي عن حيادهما والانضمام إلى حلف الأطلسي.
الا ان عقبات عدة تحول دون تحقيق هذه الخطوة، ابرزها وجوب حصولها على إجماع الدول الأعضاء الثلاثين في الحلف، بحيث ان على البرلمانات الاوروبية جمعاء ان توافق على عملية الانضمام، كما يؤكد السفير رياض طبارة لموقع beirutinsights.
وهذا قد يستغرق سنة او اكثر، يضيف طبارة، علماً ان اموراً ومعطيات كثيرة قد تتغير خلال هذه الفترة الطويلة. فلنفترض مثلاً ان الحرب انتهت في اوكرانيا خلال الاشهر المقبلة باتفاق روسي – اوكراني، ومن ورائه روسي- اوروبي، ستتغير الامور كليا”.

هل مخاوف فنلندا والسويد في محلها؟ وهل مخاوف الاتحاد الاوروبي مبالغ فيها؟
قد يكون الجواب على السؤال في اعلان رئيس الوزراء الفنلندي أخيراً “عندما ننظر إلى روسيا اليوم، نرى نوعاً مختلفاً تماماً من روسيا التي رأيناها قبل بضعة أشهر فقط”.
فما الذي يمنع موسكو من غزو بلدين صغيرين مثل فنلندا والسويد بعدما لم تتردد في غزو اوكرانيا التي يبلغ عدد سكانها 44 مليون نسمة، وقواتها المسلحة 200 الف جندي فيما يبلغ الناتج المحلي الإجمالي فيها حوالي 516 مليون دولار؟
فأسباب اندلاع الحرب العالمية الثانية لا تزال حاضرة في الذاكرة الاوروبية – يؤكد طبارة- بحيث ان الاتحاد الاوروبي يريد تفادي تكرار التاريخ نفسه يوم احتل آدولف هيتلر منطقة سوديتنلاند بحجة انها المانية، معلناً انه سيوقف غزوه على حدودها. فرضخ الاوروبيون قبل ان يغزو الجيش الالماني تشكوسلوفاكيا بالكامل، ومن ثم النمسا وبولندا.
وهذا ما يخشى الاوروبيون تكراره ، خصوصاً ان بوتين ضم شبه جزيرة القرم من دون اي ردة فعل عسكرية اوروبية، كما احتل ولايتين من جورجيا ومن ثم الدونباس في اوكرانيا… ايضاً من دون ان يواجهه احد. لذا، يخشون ان يستمر في توسعه نحو دول البلطيق، خصوصاً انه اعلن جهاراً انه يحلم باسترجاع امجاد الاتحاد السوفياتي السابقة.
ويضيف طبارة، امّا اليوم، فالتعويل الغربي يركن الى انهاك روسيا. وهذا بالفعل ما اكده وزير الدفاع الأميركي لويد أوستن يوم قال في 27 نيسان الماضي “نريد أن نرى روسيا ضعيفة إلى حد لا تستطيع معه القيام بالأشياء التي قامت بها مثل غزو أوكرانيا”.
وهذا ما سيحصل حتماً بعد سنة، يؤكد السفير طبارة، اذ ان روسيا واقتصادها سينهكان بفعل الحرب. من هنا سعي بوتين الى السيطرة على شريط ماريوبول، لتكون بين يديه حجة مقنعة داخلياً للإنسحاب من اوكرانيا والحفاظ على موقعه في روسيا، خصوصاً ان لديه “حسّا تاريخياً” قل ما امتلكه قادة روسيون في السابق.

لماذا تعارض تركيا؟
تركيا لم تضع فيتو على انضمام فنلندا والسويد الى “الناتو”، يوضح السفير طبارة، الا انها تحفظت على الأمر، كما هناك تحفظات اوروبية علنية وغير علنية على الانضمام. وقد قالت الرئاسة التركية ان “السويد لن تتمكن من الإنضمام إلى حلف الناتو حاليا لحين معالجة مخاوف تركيا المشروعة”.
وفي هذا الإطار، تقول التحليلات ان تركيا، العضو في حلف شمال الأطلسي والقوة العسكرية الثانية فيه بعد الولايات المتحدة، تتفادى اثارة سخط روسيا اولاً إن مرّ طلب فنلندا والسويد الانضمام الى “الناتو” من دون معارضتها، اذ هي ستعمل على الحؤول دون توسع الحلف الى حدود روسيا كما تخشى هذه الأخيرة، ناهيك ان لديها اسباباً ثلاثة تحول دون موافقتها غير المشروطة على خطوة الدولتين الاسكاندنفيتين:
1- يخشى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ان يتكرر سيناريو اليونان في الناتو، اذ حشدت الأولى اعضاء الحلف ضد السياسة التركية حيالها. وهو قال بوضوح “حلف الأطلسي أخطأ في الماضي بقبول اليونان عضوا فيه.. وباعتبارنا لا نريد تكرار الأخطاء المماثلة”.
2- لطالما وجهت تركيا انتقادات الى السويد ودول أوروبية أخرى لتعاملها واستضافتها منظمات تعتبرها ارهابية، ومنها المنظمات الكردية وأنصار فتح الله غولن. وهي تشترط طردها من الدولتين لتعيد النظر في موقفها المعارض. وآخر حادثة كانت العام الماضي، حيث استُدعي سفير السويد إلى الخارجية التركية احتجاجاً على مشاركة وزير الدفاع السويدي بيتر هولتكفيست، في مؤتمر عبر الفيديو مع “قوات سوريا الديمقراطية”. كما اتهم اردوغان البلدين “بإيواء إرهابيين من حزب العمال الكردستاني” علماً ان وزيرة الخارجية السويدية أعلنت اخيراً أن بلادها مثل الاتحاد الأوروبي تعتبر حزب العمال الكردستاني تنظيماً إرهابياً .
وقد قدمت أنقرة على هامش اجتماع لوزراء الخارجية في برلين، مطالبها، مشترطة وقف دعم الدولتين لجماعات كردية مسلحة لها موجودة على أراضيها، ورفع الحظر على بعض مبيعات الأسلحة إلى تركيا.
3- ان دخول فنلندا والسويد إلى الحلف سيؤثر في مصالح انقرة الإقليمية ولا سيما في مناطق القوقاز شرق أوروبا، ناهيك عن عدم ارتياح تركيا الى انتقادهما لسياستها الحقوقية تجاه المعارضين الأتراك. وكانت آخر حادثة في تشرين الأول 2021 حيث طردت السفراء الاوروبيين العشرة بعد إدانتهم سجنها الناشط التركي عثمان كافالا.

هل تهديد روسياً جدّي؟
روسيا التي هددت بـ “رد مفاجئ” على قرار فنلندا والسويد الانضمام الى الناتو، اعتبرت أن انضمام فنلندا سيشكل انتهاكا لاتفاقية أبرمتها معها عام 1992، وينص أحد بنودها على التزام كل منهما بعدم السماح باستخدام أراضيهما لشن عدوان عسكري على الدولة الأخرى.
يقول طبارة ان المفروض النظر الى التاريخ الحديث للمشكلة الروسية – الاوكرانية – الاوروبية. فبين انحلال الاتحاد السوفياتي العام 1991 ووصول فلاديمير بوتين الى السلطة الروسية، كان “الناتو” قد ضم الى عضويته كل دول اوروبا الشرقية ولا سيما دول البلطيق التي كانت تشكل خط الدفاع الأول لروسيا. وباتت لروسيا حدود جديدة تمتد من بحر البلطيق وبيلاروسيا واوكرانيا، وصولاً الى كازاخستان في الجنوب، بحيث ان بوتين كان يتدخل كل مرة في عملية عسكرية خاطفة لتأمين سلامة حدوده مع هذه الدول. وهذا ما حصل في بيلاروسيا وكازاخستان اخيراً.
الا ان بوتين، يقول طبارة، خسر اوكرانيا فجأة العام 2014 عندما حصل انقلاب ديمقراطي فيها على “رجل روسيا” فيكتور يانوكوفيتش. فكان ما اعتبره بوتين يومها الخرق الأول لخط الدفاع الروسي، ولا سيما ان موسكو تبعد عن حدود اوكرانيا 190 كلم فقط، اذ ان المطلب الأول للرئيس الاوكراني فولوديمير زيلينسكي فور وصوله الى الحكم كان انضمام اوكرانيا الى الاتحاد الاوروبي، ومن ثم الى “الناتو”. وهذا لو تحقق، لوضع حلف الناتو مباشرة على حدود روسيا. فحاول بوتين المفاوضة على حياد اوكرانيا، ولما لم ينجح، قام بعمليته العسكرية التي كان يتوقع من خلالها ان يسيطر على كييف خلال ايام معدودة – وهذا ما كانت توقعته الـ CIA ايضاً- فإما ان يخضع زيليسنكي الى ارادته، وإما يضع مكانه “رجلاً آخر” يثق بسياسته.
لكن الرياح جرت بما لا تشتهي سفن بوتين. فطالت المعارك لتمتد على اكثر من ثلاثة اشهر، وبات هدف موسكو في اوكرانيا “متحركاً”، اي ان بوتين يغّير الهدف للحفاظ على قوته، وفق ما فسّر السفير طبارة. فتبدل الهدف من احتلال كل اوكرانيا عبر السيطرة على عاصمتها، الى تقسيمها قسمين بحيث تستقل عنها المقاطعتان الانفصاليتان دونيتسك ولوغانسك اللتان اعترف بوتين باستقلالهما في 21 شباط 2022… وصولاً اليوم الى احتلال منطقة ماريوبول في الدونباس لربط روسيا برّاً بشبه جزيرة القرم. وهذا ما سيضع بحر آزوف تحت سيطرة روسيا، علماً ان هذا البحر حيوي بالنسبة الى موسكو اذ يسمح بربطها بالبحر الأسود ايضاً.
وهنا ايضاً، يجب العودة الى التاريخ، يقول طبارة. فصحيح ان النظام الروسي هو من “اثبت الانظمة” عالمياً، الا انه تبدل مرتين فقط خلال 400 عام بعد حربين فاشلتين: الاولى العام 1905 بعد خسارة روسيا حربها مع اليابان، فبدأت الثورة الروسية وطار النظام القيصري. وفي المرة الثانية، بعد سنتين من هزيمة موسكو في افغانستان وخروجها من هناك بعد 9 اعوام على الحرب، فطار النظام الروسي واتى بوتين الى الحكم.
فبوتين لن يخرج من اوكرانيا الا: إما منتصراً وإما خارج الحكم، يختم السفير طبارة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات