Search
728 x 90

بعد افغانستان … العين على العراق

بعد افغانستان … العين على العراق

قبل ايام قليلة من توجهه الى واشنطن على رأس وفد عراقي ، اعلن رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي ان بلاده لم تعد بحاجة إلى قوات قتالية أميركية لمحاربة تنظيم داعش، إلا أن الإطار الزمني الرسمي لإعادة انتشار القوات سيعتمد على نتيجة محادثات تجرى مع مسؤولين أميركيين هذا الأسبوع، على حد قوله.

ونقل عن الكاظمي قوله إن العراق سيظل يطلب تدريباً وجمع معلومات استخبارية عسكرية من الولايات المتحدة. وأضاف أن “قوات الأمن والجيش في العراق قادرة على الدفاع عن البلاد من دون دعم قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة”.

الامر متوقع بالنسبة الى خبراء ومحللين بناء على عزم الاميركيين، ادارة بعد اخرى، جمهورية كانت او ديموقراطية على الخروج من النزاعات العسكرية في المنطقة ولكن ايضاً في اطار تزايد الهجمات من تنظيمات موالية لايران في العراق تفرّخ بين يوم وآخر مستهدفة القوات الاميركية، ولو من دون نجاح كبير، من اجل فرض ايران انسحاب غير مشرف للقوات الاميركية من العراق على رغم ان هناك قراراً اميركياً مبدئياً  بالانسحاب ينفذ وفق الحسابات الاميركية. اذ كان نقل عن مسؤولين أميركيين وعراقيين إن واشنطن والعراق يعتزمان إصدار بيان يدعو القوات الأميركية إلى مغادرة العراق بحلول نهاية العام الحالي، 2021، لكنهما سيؤكدان مجدداً أن الوجود العسكري الأميركي لا يزال مطلوباً بعد ذلك لمساعدة القوات العراقية على مواجهة تنظيم “داعش “.

ولكن هذا لا يُعد تطوراً مفاجئاً باعتبار انه يأتي وسط توجه اميركي الى خفض الانتشار العسكري في الشرق الاوسط بدأت مفاعيله من افغانستان. ولكن غدا قرار الرئيس الاميركي جو بايدن، الذي أعلن عنه في 14 نيسان المنصرم، بسحب جميع القوات الأميركية من أفغانستان بحلول 11 أيلول 2021، والذي أعقبه قرار مماثل من قبل حلفاء الولايات المتحدة بسحب قوات الناتو، باباً فتح امام احتمالات وتداعيات مختلفة ليس على منطقة الشرق الاوسط والوجود الاميركي فيها كما على دولها بل على منطقة اوراسيا ايضاً وآسيا.

بدت التداعيات الفورية للانسحاب الاميركي من قاعدة باغرام الشهيرة في افغانستان برمزيتها الممثلة لثقل الوجود الاميركي عبر مسارعة طالبان الى توسيع سيطرتها على المدن الافغانية بعدما اقتصر وجودها طويلاً على الريف الافغاني وتخطت هذه السيطرة 80 في المئة من الاراضي الافغانية على نحو ينبىء بإطاحة السلطة الافغانية وحلول طالبان مكانها.

ولكن هذا سار على نحو مرتقب مع المخاوف من عودة افغانستان مجالاً رحباً للتنظيمات الارهابية التي كانت دخلت اميركا ضدها ولوضع حد لها بعد احداث ايلول 2001 في اميركا. الخلاصة في ضوء هذين الاعتبارين ان الولايات المتحدة لم تنجح بعد عشرين عاماً في افغانستان من تحقيق ما رغبت في تحقيقه فعلاً لأن لا الحرب ستنتهي بانسحاب الاميركيين وحلفائهم ولا كذلك الحرب على الارهاب فيما ان هذا الانسحاب فتح شهية الدول المجاورة على حسابات وتدخلات وتحالفات جديدة كما ان تداعياته سيخلط اوراق القوى في المنطقة من تركيا الى ايران ودول الخليج العربي فضلاً عن روسيا في شكل اساسي والصين وباكستان.

وكبر القلق من العواقب السلبية للتغيرات المحتملة في الوضع الداخلي في أفغانستان على دول آسيا الوسطى والعالم العربي من ” اصولية ” سنّية هناك تقابلها “الاصولية ” الشيعية في ايران فيما ستزداد قابلية السعي الى الامساك بخيوط اساسية للعبة في افغانستان عبر باكستان من جهة وما يحمله ذلك من تسعير للتنافر مع الهند الى روسيا من جهة اخرى والتي لها ثأر خاص لهزيمتها السابقة في افغانستان.
في ضوء ذلك يغدو الهم الاكبر هو خلط الاوراق الذي تحدثه واشنطن عبر انسحاباتها من المنطقة بحيث يلي الانسحاب من افغانستان الانسحاب من العراق فسوريا ، مع ما يعنيه ذلك من بروز مراكز قوى او صراعات جديدة غير مرتقبة او ربما مرتقبة ايضاً. اذ يثار تساؤل اساسي يتصل بالمدى الذي تستطيع فيه الولايات المتحدة التأثير عبر الديبلوماسية وحدها، من دون ان يعني ان وجودها العسكري حقق نجاحات محددة وكبيرة، لكنه احدث توازنات مهمة في مراحل دقيقة.

فمنذ وصول الادارة الاميركية الجديدة كان واضحاً ان الديبلوماسية هو سلاحها الاساسي والوحيد تقريباً الذي سيكثر استخدامه . وتشكل المفاوضات مع ايران من اجل العودة الى الاتفاق النووي والمساحة الكبيرة التي تتركها الولايات المتحدة لايران من اجل ان تقرر متى ترغب في العودة الى استئناف المفاوضات امراً مقلقاً بالنسبة الى من يراقب التخلي والابتعاد الاميركي عن المنطقة وما اذا كان سيؤدي الى تسويات جديدة او الى حروب جديدة.

فإذا كان الانسحاب الاميركي من افغانستان ادى الى بسط طالبان نفوذها وتهديد سلطة الحكومة الافغانية فإنه يخشى ان يحصل ذلك في العراق في ظل عودة نشاط التنظيمات المسلحة الموالية لايران الى الضغط ومحاولة التأثير على حكومة الكاظمي. وهذا لا يعني فقط في خلاصته فشلاً  للسياسة الاميركية التي يمكن تفهم دوافعها في العزوف عن الاستمرار في نزف الاموال والجهود في دول حاولت واشنطن على طريقتها “اصلاحها” اذا صح التعبير ولم تنجح، بل يأساً ايضاً من القدرة على الاستمرار في ذلك واستسلاماً للامر الواقع.

فإدارة بايدن التي اعلنت مراراً ان اميركا عادت، يبدو انها عنت ذلك بطريقة مختلفة لدول المنطقة بحيث عادت الى الاهتمام بالتحالف مع اوروبا والى مواجهة الصين وروسيا ولكن في ظل تساؤلات اذا كانت ستنجح في ذلك ام لا . ولكن المنطقة لا تبدو معنية بعودة اميركا بل على العكس من ذلك بابتعادها بغض النظر عن صوابية ذلك من عدمه لأنه لا يصح ايضاً بقاء دولة اجنبية في اي دولة او احتلالها . وهذا يفتح الباب على بحث طويل ومعمق يفترض ان تدخله المنطقة ليس من زاوية الحسابات الخاصة والمباشرة فحسب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات