Search
728 x 90

” بربّكم… اين خطأ النواب؟”

” بربّكم… اين خطأ النواب؟”

” ويل للناس من حاكم لا حياء له”.
العبارة للكاتب والروائي المصري نجيب محفوظ والاضافة عليها في لبنان قد تكون … “ولا حدود في خرق الحاكم للقانون وفي المحاباة والمحسوبية والواسطة” التي باتت وجهة نظر في السياسة اللبنانية.

“بربكم، قولوا لي أين الخطأ الذي ارتكب من قبل السادة النواب بالإقدام على عملية التلقيح”.

السؤال طرحه نائب رئيس المجلس النيابي ايلي الفرزلي في معرض ردّه على الحملة الواسعة التي واجهت اقدام 11 او 15 نائباً (السادة النواب لم يتفقوا بعد على الرقم الدقيق للنواب الذين تلقوا اللقاح في مقر المجلس النيابي).
فأتى التبرير بعد ساعات معدودة من وزير الصحة في حكومة تصريف الأعمال حمد حسن قائلاً: “اتخذت قراراً سيادياً بأن تتوجه الفرق الطبية الى مجلس النواب لاجراء عملية التلقيح للنواب تقديراً لجهودهم، لان المجلس النيابي اجتمع خلال 7 ايام بشكل متتالي واقر قانون الاستخدام الطارئ للقاح.”
وبين السؤال والتبرير دلالة واضحة على المفهوم الرسمي للقانون وللمواطنية … وللمسؤولية السياسية.
فإذا كان نائب من الأمة – المؤتمن على التشريع وسن القوانين- يبرر ان يكون تخطى وزملاؤه الآلية الرسمية للتسجيل على المنصة الرسمية لتلقي اللقاح، وان يسمح بتمييز نفسه عبر تلقي اللقاح في مقر المجلس النيابي وليس في المراكز المعتمدة من قبل اللجنة الوطنية الخاصة باللقاح، لا بل ان يتخطى دور مواطنين لهم الأحقية في تلقي اللقاح بحسب عمرهم او ظرفهم الصحي، وقد يكونون من ناخبيه، وأن يرفض الاعتذار لأنه لم يقترف اي خطأ… فهذا يدل بوضوح الى مدى تعفّن مفهوم الأخلاق في لبنان.
وإذا كان التبرير يأتي من وزير الصحة الذي استعمل عبارة “قرار سيادي” الملتبسة، فإن المصيبة أكبر، اولاً لأن السيادة في المعجم العربي هي حرّيّة التَّصرُّف – وأي تصرّف هذا هو ذلك الذي يهدف الى خرق القانون- كما ان سيادة القانون تعني ايضاً احترام القانون وتطبيقه على الجميع – وليس على قلة منهم مهما علا شأنها.
ثم يفترض بالوزير ان يعرف اكثر من غيره اهمية احترام الآلية التي وضعتها وزارته، كما أهمية الفئات العمرية في تلقي اللقاح، خصوصاً انه ارفق تبريره بعذر اقبح من السبب قائلاً ان تلقيح النواب جاء مكافأة لهم “لان المجلس النيابي اجتمع خلال 7 ايام بشكل متتالي واقر قانون الاستخدام الطارئ للقاح”. فأي مكافأة لمن مارس دوره التشريعي الوحيد الموكل اليه – الى جانب مراقبة عمل الحكومة – واي عمل خارق هذا هو القيام بالواجب بأدنى مستوياته، ولا سيما ان هذا الواجب يفترض قانوناً لمواجهة جائحة عالمية تحصد كل يوم عشرات الضحايا؟
فهل يكافأ النواب على اجتماعاتهم في مكاتبهم الفارهة على مدى اسبوع فيما الطاقمان الطبي والتمريضي يعملان من دون توقف وفي ظروف غير انسانية منذ اكثر من سنة لكبح الجائحة؟
ثم من يتحمّل، من النواب ومن وزير الصحة، مسؤولية رد فعل البنك الدولي تجميد تمويله لدعم اللقاحات كما “غرّد” ممثل البنك الدولي في لبنان ساروج كومار بعدما لمس تأكيد الخروقات في برنامج التلقيح… وعلى اعلى المستويات.
فأي رسالة توجهها “النخبة السياسية” الى المجتمع الدولي الذي يراقبها بعدما يئس من وعودها الفارغة بالإصلاح، فرفض ويرفض مساعدة لبنان عبر مؤسساته الرسمية ادراكاً منه لحجم الفساد المعشش في ارجائها، مفضلاَ التعاون مع المؤسسات غير الحكومية والانسانية الخاصة؟ خصوصاً ان لبنان على شفير الهاوية وبحاجة ماسة للمساعدات الخارجية، المالية والعينية، بعد انفجار مرفأ بيروت في 4 آب، وبعدما توقفت المفاوضات مع صندوق النقد الدولي بسبب عجزه عن تنفيذ ادنى شروط الاصلاح ومكافحة الفساد.
فهذه النخبة لم يهزّها اعلان الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون في ايلول 2020 “إنه يشعر بالخجل من الحكام اللبنانيين”، كاشفاً عن “الخيانة الجماعية للطبقة السياسية اللبنانية”، ولم يرف لها جفن من تحذيرات منسق الأمم المتحدة يان كوبيتش ان “شروط المجتمع الدولي ‏لمساعدة لبنان هي الإصلاح والإصلاح والإصلاح، ومن المعيب مثلا أن يبقى وضع الكهرباء ‏على ما هو عليه”.
فهل الإصلاح يقضي بأن يخرق بعض نواب الأمة القانون الذين هم سعوا لإقراره، من دون أي شعور بالذنب او الاساءة لمن هم مؤتمنون على سلامتهم من حيث المبدأ؟ لا بل يذهب نائب رئيس المجلس النيابي ايلي الفرزلي الى ابعد من ذلك مهدداً في مقابلة تلفزيونية مساء “يوم التلقيح” بأن يطرد ممثل البنك الدولي من لبنان الذي تجرّأ وقال ان البنك يدرس امكان تجميد تمويل اللقاحات، صارخاً “فشر ان يُسحب تمويل البنك الدولي للقاحات”.
من اين تأتي هذه الثقة العمياء فيما لبنان وشعبه وصلا الى ادنى درك يمكن ان يتخيّله عقل، اكان مالياً ام اقتصادياً ام اجتماعياً ام ثقافياً ام اخلاقياً؟
… ربما من القناعة المترسّخة بأن المحاسبة لن تكون في المرصاد مهما علا شأن الذنب والخطأ والخطيئة، لا بل ستكون متناسبة عكسياً مع المنصب السياسي، اي ان لا محاسبة متى كان المنصب عالياً… على عكس كل دول العالم التي تحاسب مسؤوليها ليكونوا قدوة لشعبها، او حتى ان هؤلاء يحاسبون انفسهم قبل محاسبة الشعب. فوزير الصحة النيوزيلندي ديفيد كلارك قدم استقالته في 2 تموز 2020 على خلفية تعامله مع أزمة فيروس كورونا ولا سيما بعدما اعترف بخرقه القيود الحكومية المفروضة وبذهابه إلى الشاطئ.
كما ان رئيس أركان الجيش الإسباني الجنرال ميغيل أنخيل فيلارويا استقال في 23 كانون الثاني 2021 ، بعدما اتُّهم بتجاهل البروتوكول لتلقي اللقاح المضاد لكوفيد-19، من دون أن يكون من الفئات التي تعطى الأولوية له. كما تبعه عناصر آخرون من هيئة الأركان بالتهمة نفسها.
وزير الصحة الارجنتيني غينيس غونزاليس غارسيا قدم استقالته ايضاً في 20 شباط 2021 بعد الكشف عن تلقي أصدقاء له اللقاح قبل بدء الحملة الرسمية للتطعيم. وسبقته وزيرة الخارجية البيروفية قبل خمسة ايام بعد افتضاح تلقي مسؤولين حكوميين لقاحات قبل وقت طويل من إتاحتها للعامة.
… هذا في الخارج، اما هنا فيكفي التذكير ان لبنان تراجع 11 مرتبة العام 2019 في مؤشر الفساد العالمي… فكيف بعد عامين من الانهيار على كل المستويات حيث بات خرق القانون كما الفساد “وجهة نظر” وحيث صدق قول الفيلسوف الالماني فريدريك نيتشه: “أنا لست مستاءً لأنك كذبت علي ، أنا مستاء لأنني من الآن فصاعدًا لا يمكنني ان أصدّقك”… كما صدق قول الكاتب الأميركي إرنست همينغواي الذي قال “أتعس أنواع السلطة هى التي تفرض عليك أن تذكرها صباحاً مساءً”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات