Search
728 x 90

بأي ثمن الافراج عن لبنان “العربي” ؟

بأي ثمن الافراج عن لبنان “العربي” ؟

حين يتم الحديث عن شروط رفعها “حزب الله” في مقابل اتاحة المجال امام وزير الاعلام جورج قرداحي الذي تسبب بأزمة مع المملكة العربية السعودية والدول الخليجية، فإن السؤال الذي يتبادر الى الاذهان هو ما هو موقع لبنان في معادلة العلاقات الثنائية مع الدول الخليجية لكي يقايض على الاستقالة.

فالإستقالة هي لوقف تدهور العلاقات وتصعيدها اكثر فيما تنعكس هذه سلباً على لبنان والخطأ الذي ارتكبه وزير الاعلام مقدماً الحكومة ولبنان في مواقف عدائية يتم تصحيحه باستقالته. فأي دولة تسعى الى المقايضة في اي تفاوض فإنما لقاء عناصر او مواد تريدها الدولة الاخرى لانها تستفيد من ذلك ولأن مصالحها تكمن في ذلك.

فمصلحة لبنان وليس الدول الخليجية في استقالة قرداحي لأنها تمكن لبنان من وقف تدهور علاقاته مع الدول الخليجية علماً ان هذه الاستقالة تقدم مكسباً لهذه الاخيرة تفيد بأنها تستطيع التحكم بمسار القرار في لبنان . وهو امر يرفضه “حزب الله ” وحلفاؤه تحت شعار ان كرامة البلد على المحك ولن يقبل لبنان بفرض الاملاءات عليه رافضاً تصحيح خطأ لا يراه كذلك. قد يترك لبنان طويلا لهذا المنحى لأن لبنان هو المتضرر الاكبر والوحيد من القطيعة الخليجية معه. فلا تستطيع ان تقايض باستقالة قرداحي غير المهمة والتافهة بل بسياسة خارجية تعيد لبنان الى محيطه ومدونة سلوك تبدأ من رأس السلطة وجميع المؤسسات .

وتبدو صورة التطورات الاخيرة في العراق نسخة ربما اكثر مأسوية او درامية من الواقع اللبناني لجهة دفع الامور فيها الى حافة الهاوية مع استهداف امني لرئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي على خلفية الاعتراضات الرافضة لنتائج الانتخابات التي لم توفر للتنظيمات الموالية لايران الغالبية التي كانت تطمح اليها.

لبنان دفع الى شفير الحرب الاهلية في احداث الطيونة على اثر رفض “حزب الله ” التحقيق القضائي في انفجار مرفأ بيروت ووضع البلد كله في مواجهة محيطه من الدول الخليجية على نحو يعطل مسار تجميد الانهيار ويقضي على فرصة وقف تفتيت مؤسساته وكيانه. المعادلة التي يتم تعميمها من العراق الى لبنان تبعاً لذلك انه وما لم تخضع الدول التي تدعم فيها ايران تنظيمات موازية لسلطة الدولة ومقوضة لها لنفوذ هذه التنظيمات فيما هي لا تتقبل الخسارة ديموقراطياً كما في حال الانتخابات في لبنان في 2008 والانتخابات في العراق التي حصلت قبل اسابيع، فإن هذه البلدان خاضعة لاهتزاز عميق لاستقرارها وامنها وامكان نهوضها.
في الازمة اللبنانية الراهنة بات “حزب الله” مسؤولا عن تطيير التحقيق في انفجار المرفأ في ظل تصاعد علامات استفهام كبيرة ازاء بقاء الشكوك بمن هو مسؤول فعلاً عن تخزين نيترات الامونيوم في المرفأ ولحساب من. وهو بات مسؤولا عن انهيار علاقات لبنان مع الدول العربية وتالياً عن تداعيات كل ذلك على الاقتصاد وعلى جميع اللبنانيين الذين يتأذون من ذلك وبات مسؤولاً عن تعطيل الحكومة وقدرتها على اتخاذ قرارات تجمد الانهيار.

بات الحزب المشكلة الرئيسية راهناً بغض النظر عن الخط البياني من المشاكل التي اثارها للوصول الى هذا الواقع وتجاهله في خضم كل ذلك الانهيار المتمادي لواقع اللبنانيين ولحاضرهم كذلك. لكن لم يعد يجوز التوقف او اعطاء الاهمية للادوات التي يستخدمها الحزب من ضمن عدته الداخلية من وزراء او حلفاء سياسيين باتت المعركة تتخطاهم في اتجاه الاهداف الايرانية المباشرة. ويعتقد ان ايران التي تستغل الى الاقصى التهاون الاميركي ازاءها ربطاً بالمساعي الجارية للعودة الى طاولة المفاوضات في فيينا وتالياً الى العمل بالاتفاق النووي يتيح لها دفع الامور الى الاقصى من اجل تحقيق المكاسب وتعزيز اوراقها، ان من اجل هذه المفاوضات وان في الحوار مع المملكة السعودية .
وليس لبنان في حاجة الى نموذج العراق من اجل استنتاج ما يمكن ان يحصل في حال لم يحصل الحزب على الاكثرية النيابية التي يود ان يبقي عليها في الانتخابات المقبلة في الوقت التي تشكل انذاراً مبكراً وترهيباً غير مباشر في هذا الاتجاه. ذلك ان هناك نماذج كثيرة لذلك تصب في هذا الاتجاه من بينها مواجهة التحقيق الذي يقوده المحقق العدلي طارق بيطار في الشارع. ولكن بات لبنان ككل امام مواجهة تحوّل الحزب الى مشكلة حقيقية بالنسبة الى جميع مكوناته حتى ممن يبررون له حمل السلاح تحت عنوان اقليمي في اقرار مباشر بسقوط ذريعة ” المقاومة ” او مواجهة اسرائيل. اذ نقل الحزب مشاركته في مواجهة الدول الخليجية في اليمن وسواها الى لبنان ما اطاح عملانياً او جوّف المؤسسات الدستورية الضعيفة اصلا من قدرتها على المعالجة او على ادارة الامور.
الاسئلة تنطلق من نقطة اساسية تستند الى ما هي خطة الحزب لادارة البلد في زمن دفعه الى المزيد من الانهيار؟ من سيفاوضه على فك ازمة المؤسسات الدستورية واذا لم يحصل التفاوض معه لاعتبارات متعددة، ما هو المدى الذي يستطيع بلوغه في استرهان مصالح البلد لمصلحته انطلاقاً من انه هل يستطيع ابقاء دول الخليج متخلية عن لبنان وهل يبقى الداخل السني وحتى المسيحي مستسلماً لهذا الاسترخاء في ظل التحدي الذي تمثله الانتخابات فيما ان امساك الحزب بورقة التعطيل احرجت حليفه في رئاسة الجمهورية تماما كما فعلت احداث الطيونة التي لم تقم اعتباراً للتحالف او التفاهم الذي قيل انه لـ” حماية ” المسيحيين .

تعتقد مصادر ديبلوماسية ان هناك اوهاماً كبيرة ازاء قوة الحزب وقدرته على الهيمنة وهي مبنية ربما على ممارساته الترهيبية اعلامياً وسياسياً وحتى واقعياً ولكنه اربك الجميع بمن فيهم حلفاءه في السلطة وخارجها لانه جعل من الدول الخليجية في المواجهة وليس اسرائيل كما جرت العادة. وحتى لو ان الذريعة كما يروّج للقطيعة السعودية هي التطورات في اليمن والهجوم على مأرب فإنه قد يجعل من لبنان ثمناً يطرح في المقابل من ضمن اللعب بالاوراق الاقليمية وتبادلها بين الدول المعنية. وهذا سيستغرق وقتاً سيرتد في محصلته ضده لانه المسؤول عن تردي البلد وافقاره وليس فقط سوء الادارة والفساد. فهل الافراج عن لبنان يمكن بيعه للدول الخليجية وبأي ثمن ؟

قد تكون الازمة الجديدة التي بدأت مع المملكة العربية السعودية ودول الخليج محض حادثة مؤسفة نتيجة مواقف غير مسؤولة وسطحية لوزير الاعلام في لبنان راكمت حوادث مماثلة حصلت في وقت سابق. ولكن توظيفها وتداعياتها الداخلية ومع الخارج اكملت ما بات يخشى منه كثيرون هو وضع اللبنة الاخيرة على الحجر الشاهد على ضريح لبنان القديم. اذ يناهض اللبنانيون منذ سنتين على الاقل مع حصول الانهيار الاقتصادي والمالي الذي قضى على مؤسساته على كل المستويات تربوياً واقتصادياً وصحياً وحياتياً فكرة ان هناك من يدفع فعلاً الى تدمير المؤسسات وتفريغها من مضمونها على نحو يؤدي الى نهاية لبنان. ساهمت بعض المساعدات غير الطارئة في محاولة تدعيم واقع عدم تفتت المؤسسات وابقاء هيكليتها قائمة من اجل اتاحة فرصة نهوض البلد بعد تنفيذه خطة لانقاذه من حيث المبدأ. اظهر التعطيل الحكومي المبكر ان اتاحة تأليف الحكومة في الاساس لم يحصل الا لأن الازمة الانهيارية باتت تهدد كيانية وسلطة القوى المتحكمة بالبلد، ليعود المسار التدميري بعد اقل من شهر على تأليفها وغير مبال فعلا بها. وبرز هذا الامر مع خطوة تمرير ” حزب الله ” شاحنات من النفط الايراني عبر المعابر غير الشرعية مع سوريا من دون رد فعل من اهل السلطة، ان كان رئيس الجمهورية وان من الحكومة وفي تجاهل كلّي للرسوم التي يفترض على استيراد اي شيء من الخارج.
لا يجب ان يكون استغراب مسار الامور لاحقاً كأنه بعيد من التوقعات. لا يمكن القول ان العلاقة بين لبنان والمملكة العربية السعودية كانت في احسن احوالها ولكن وبعيداً من الاعتبارات الاقتصادية والحيوية التي يظهرها البعض، فإن الازمة مع الدول الخليجية بنيوية واساسية في طبيعة تموضع لبنان في محيطه الذي يشكل ماءه البديهية التي لا يستطيع ان يعيش خارجها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات