Search
728 x 90

اي قوة شرائية للبطاقة التمويلية… او الانتخابية؟

اي قوة شرائية للبطاقة التمويلية… او الانتخابية؟

في ظل غياب اي خطة شاملة لمعالجة التدهور المالي والاقتصادي، أُقرّت البطاقة التمويلية في مراحلها الأولى في اللجان النيابية المشتركة، وسط اسئلة كثيرة تطرح نفسها بديهياً، الا وهي شعبوية البطاقة، ومفعولها الانتخابي البحت قبل اقل من سنة من الانتخابات النيابية المتوقعة. هل مصدر التمويل هو حكراً مصرف لبنان واحتياطه الالزامي، اي اموال المودعين في ظل جفاف خزينة الدولة؟ كيف سيتم التفاوض مع الجهات المانحة، ولا حكومة في الأفق والحكومة الراهنة مستقيلة؟ ما هو سقف سعر صرف الدولار مقابل الليرة اللبنانية لتحديد نوعية العائلات المحتاجة، خصوصاً ان الدولار يحلّق وارتفاع الأسعار جنوني؟ من يقرر عدد العائلات المحتاجة للبطاقة؟ كيف يتم ضمان عدم خرق المنصة الالكترونية لتسجيل العائلات المحتاجة؟ اقرار المساعدات لن يتم قبل 3 اشهر على الأقل، فمن يضمن قيمة البطاقة الشرائية يومها في ظل ارتفاع الأسعار الجنوني بعد رفع الدعم المتوقع؟
الخبير الاقتصادي د. ايلي يشوعي يؤكد لموقع beirutinsights انه يؤيد عنوان مساعدة العائلات الأكثر فقراً، وينتظر الآلية التي ستُعتمد ليحكم عليها.

مَن يموّل مَن؟

في 24 حزيران 2021، وبعد اجتماع في القصر الجمهوري في بعبدا، غاب عنه رئيس حكومة تصريف الأعمال حسان دياب، اصدر مصرف لبنان بياناً عن موافقته المبدئية لإقراض الدولة “سنداً إلى المادة 91 من قانون النقد والتسليف”، أعلن فيه “استعداد المصرف لدعم المواطن اللبناني وهو في انتظار التجاوب الحكومي”.
فالمادة 91 من هذا القانون تنص على: “في ظروف استثنائية الخطورة او في حالات الضرورة القصوى، اذا ما رتأت الحكومة الاقتراض من المصرف المركزي، تحيط حاكم المصرف علما بذلك… وفقط في الحالة التي يثبت فيها انه لا يوجد اي حل آخر، واذا ما اصرت الحكومة، مع ذلك، على طلبها، يمكن المصرف المركزي ان يمنح القرض المطلوب”.
بيان مصرف لبنان اضاف: ” وبما أن المادة 11 من قانون النقد والتسليف تفرض على مصرف لبنان في ظروف استثنائية الخطورة كالتي يعيشها لبنان بسبب تعثر الدولة عن دفع ديونها ويسبب الكورونا وانفجار المرفأ واستقالة الحكومة وعدم تشكيل الحكومة لفترة 10 أشهر، أن تمنح الحكومة القرض المطلوب منها، على أن يقترح التدابير التي من شأنها الحد مما يكون لقرضه من عواقب اقتصادية سيئة وخاصة الحد من تأثيره على الوضع الذي أعطى فيه، على قوة النقد الشرائية الداخلية والخارجية”.
اما اللافت فهو تأكيد “مصرف لبنان على ضرورة وضع خطة واضحة وواحدة لترشيد الدعم وتأمين الأسس لاعادة النمو الاقتصادي، وفي حال إصرار الحكومة على الاقتراض وفقا للمادة 41 المذكورة وبالعملات الأجنبية، أن تعمل على إقرار الإطار القانوني المناسب الذي يسمح لمصرف لبنان باستعمال السيولة المتوفرة في التوظيفات الإلزامية مع التزام الحكومة الصريح بإعادة أي أموال مقترضة من مصرف لبنان ضمن المهل المحددة قانوناً في المادة 94 من قانون النقد والتسليف، على أن تكون نسبة الفوائد محددة بحسب المادة 13 من نفس القانون، بموجب عقد قرض، وأن ينص العقد صراحة على أن يتم الإيفاء بمعزل عن مسؤوليات الحكومة المتعلقة بقرار التوقف عن الدفع”… علماً ان المادة 94 من قانون النقد والتسليف تنص على “لا يمكن ان تمنح القروض المشار اليها في المادتين 91 و92 لمدة اطول من 10 سنوات”.
هذا، وقد أقرّت اللجان النيابية المشتركة البطاقة التمويلية وفق ما أكد نائب رئيس المجلس النيابي ايلي الفرزلي الذي قال ان “زهاء 500 الف أسرة، لا بل اكثر ستفيد من البطاقة. واعطيت الحكومة صلاحية حد اقصى 137 دولارا، على ان تقدم الحكومة في الاسبوع المقبل مشروع قانون معجلا لمجلس النواب يتعلق بأسلوب ومصادر الدعم وكيفية الدعم المالي، وايضا بقضايا اجرائية اخرى هي من صلاحية الحكومة، وتتعلق بالسلع التي سيشملها رفع الدعم، والتي اصبحت مشمولة”.
واقرار البطاقة هذه واجهته معارضة كل من الحزب التقدمي الاشتراكي والقوات اللبنانية. فالنائب هادي ابو الحسن اكد ” نرفض تخفيض عدد العائلات الاكثر حاجة الى النصف نتيجة حسابات معينة. فهذا العدد يجب الا يقلّ عن 800 او 900 الف اسرة. ونرفض تخفيض سقف البطاقة تحت 137 دولاراً الى 93 دولاراً. نحن مع رفع الدعم ومع ترشيده بكل وضوح وصراحة لكي نمنع المهربين والمحتكرين والتجار من ان يستفيدوا من هذا الدعم”.
ابو الحسن سأل ايضاً: ” نحن بحاجة الى مليار و 200 مليون، كيف نحصل عليها اذا لم يكن هناك سلطة موثوقه قائمة، حكومة حائزة على الثقة والقبول من المجتمع الدولي. فمن يحاور المجتمع الدولي، صندوق النقد والبنك الدولي والهيئات المانحة. كيف نحصل على المال اذا لم تكن هناك حكومة؟.
اما عضو تكتل الجمهورية القوية النائب جورج عقيص فلفت الى “العراقيل التي تحول دون تنفيذ البطاقة والمتمثلة بمن يموّلها، ومن هم المستهدفون منها وكيفية الوصول إليهم، ومن يديرها، وما هي قيمتها، مؤكداً الا رؤية حكومية أو نيابية موحدة حول هذه العناوين”. وابدى ” خشيته من أن تصبح البطاقة انتخابية أكثر منها تمويلية، ولا سيّما ان داتا المعلومات ملتبسة وغير واضحة”، مؤكداً إصرار “القوات” على أن تكون إدارة هذه العملية من البنك الدولي أو بمعاييره.
وزير المال في حكومة تصريف المال قال أخيراً في تصريح تلفزيوني ان ” البطاقة ستكون بالدولار وبقيمة 137$ للأسرة الواحدة وإجمالي كلفتها مليار و135 مليون في السنة كما سيستفيد منها 750 ألف أسرة لبنانية أي نحو 80% من الأسر اللبنانية”، الا انه اعترف بالوقت نفسه بنقاط ضعف في ملفها، منها الداتا، وكيفية تمويليها”.


اذاً، مَن يموّل مَن عبر البطاقة التمويلية لمساعدة الطبقة الأكثر فقراً في لبنان؟ هل هي الدولة المفلسة التي جففت خزينتها المالية من أي عملة اجنبية، هل هو مصرف لبنان الذي لا سبيل امامه سوى الغرف من احتياطه الالزامي الذي تقلص اساساً الى ادنى مستوياته؟ هل هو صندوق النقد الدولي او البنك الدولي او الجهات المانحة التي لا يمكنها التفاوض مع حكومة مستقيلة… ولا حكومة جديدة في الأفق المنظور؟
الدكتور ايلي يشوعي يؤكد لموقع beirutinsights ان موضوع مساعدة الأسر اكثر فقراً ليس جديداً ويعود الى العام 2011 حيث قدم البنك المركزي قرضاً لمساعدة نحو 50 الف عائلة محتاجة. لكن هل يكون التمويل من الاحتياطي الالزامي لمصرف لبنان.
“ما بند وما من اشارة في قانون النقد والتسليف – يقول يشوعي- ينص على احتفاظ مصرف لبنان بنسبة معينة من احتياطي الزامي للمصارف بالعملة الأجنبية”.
“هذه كذبة كبيرة”، يؤكد يشوعي مضيفاً “لو كان مصرف لبنان ضنيناً على اموال المودعين – وعلى ما بين 12 او 13 ملياراً الباقية لديه، لما كان مسّ بـ 75 مليار دولار من اصل 120 مليار دولار لديه من ودائع المصارف، ولما كانت الفجوة المالية المفقودية من 54 مليار دولار، ولما كانت مكاتب المصرف المركزي عصيّة على مؤسسة التدقيق الجنائي.
في الموازاة، يعود تحديد معايير تصنيف الأسر الأكثر فقراً الى آلية رسمية قالت في البدء ان 750 الف اسرة ستستفيد من البطاقة، ثم عادت اللجان النيابية المشتركة وخفضّت الرقم الى 500 الف أسرة.
يشوعي يوضح ان البنك الدولي رفض ان ينشئ مصرف لبنان منصة جديدة بـ 6 آلاف ليرة، نظراً الى ان حصته التمويلية في المشروع بقيمة 700 مليون دولار، 246 مليون دولار منها دُفعت أخيراً اضافة الى تدوير المبالغ المتبقية المدفوعة وغير المستعملة منذ 2011. اما الفرق – وهو يقدر بنحو مليار دولار – فيستم تمويله مما تبقى للمودعين من رصيد بالعملة الأجنبية في المصرف المركزي.
“انا مع البطاقة التمويلية عنواناً” يشدد يشوعي، “لكنني احتفظ بحقي في الحكم على آليتها، اكانت انتخابية ام لا، ريثما يتم وضعها قيد التنفيذ، الا انني ارفض وادين الدعم الذي وصل الى 8 مليارات دولار، وهو نهب منظم من الجميع، داخل لبنان وخارجه”. اما اذ تم رفع الدعم من دون تأمين الدولارات للناس، فهناك الثورة والكارثة يختم يشوعي.

ثقة الآلية

في الموازاة، تسأل اوساط مالية عدة كيف تسمح السلطة بأن تحصل الأسر اللبنانية الأكثر فقراً على مساعدة مالية شهرية بالدولار، فيما تمتنع المصارف عن تأمين الدولار للمودعين او تحول دون وصولهم الى اموالهم؟ وكيف يمكن التوفيق بين المساعدات للعائلات الأكثر فقراً التي تؤمنها المنظمات الدولية، وتُوزّع بناءً على معايير واضحة، وبين المبالغ التي ستُعطى للعائلات بعد رفع الدعم ومصادر تمويلها غير مؤمنة بعد؟
اما المنصة التي سيتم تسجيل العائلات التي تستفيد من هذه البطاقة، فهي مدار تجاذب بين السراي الحكومية والتفتيش المركزي الذي يخشى ان تكون برامجه معرضة لسهولة خرقها واستخدام معلوماتها سياسياً.
الاسئلة كثيرة، والأجوبة عشوائية المصدر، منذ ان عاد رئيس حكومة تصريف الأعمال حسان دياب خالي الوفاض من قطر بعدما حاول الحصول على تمويل البطاقة من الدوحة، في اول زيارة خارجية له، ومنذ ان رفضت الجهات المانحة مجتمعة، اعطاء اي دولار للدولة او مؤسساتها الفاقدة الثقة دولياً، ومنذ ان توقفت المفاوضات مع صندوق النقد الدولي لألف سبب وسبب، وآخره استقالة الحكومة.
وهذا ما اكدته اخيراً السفيرة الاميركية دوروثي شيا بقولها في حديث تلفزيوني في 25 حزيران 2021 قائلة ” نحن لا نقدم المساعدة من خلال الحكومة بسبب مشكلة الفساد لديكم”. واستدركت قائلة “زرت واشنطن منذ أسبوع تقريبًا والتقيت كبار المسؤولين الذين يحرصون على لبنان بشدّة، ولاحظت في كلامهم مدى خطورة الوضع أكثر ممّا ألاحظه في بيروت”.
فاستحالة تمكن الدولة من تأمين تمويل البطاقة الاّ عبر المصرف المركزي، سيقضي نهائياً على سمعة لبنان المالية ومصداقيته الخارجية ولا سيما بعد امتناعه عن تسديد سندات «اليوروبوند» المستحقة عليه.
فالسلطة عاجزة، قسراً او طوعاً، عن لجم التدهور، وتسعى الى “القوطبة” على تفجّر الشارع بشكل شامل بعدما بقيت الانفجارات الشعبية “محصورة” ومضبوطة في مناطق محددة، وذلك عبر امتصاص هذه النقمة بالبطاقة التمويلية في ظل رفع غير رسمي وتدريجي للدعم، مما ادى الى ارتفاع جنوني بأسعار السلع الغذائية الأساسية.
فالنقمة هذه تهدد بترجمتها في صناديق الاقتراع بعد اقل من سنة من موعد الانتخابات النيابية المرتقبة، بحيث لا تبدو البطاقة التمويلية سوى “رشوة انتخابية” مباشرة… تماماً كما كانت سلسلة الرتب والرواتب في آب 2017، مع كل تداعيتها الكارثية على الوضع المالي منذ يومها. وهذا ما ابدى خشيته منه رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط الذي غرّد قائلاً “لا قيمة للبطاقة التمويلية اذا كانت بدون التنسيق مع البنك الدولي وبغياب حكومة تعتمد سياسة الاصلاح. ان ما يناقشه النواب هو بطاقة انتخابية من دون معرفة مصادر التمويل”.
فما الذي يضمن القوة الشرائية لهذه البطاقة في ظل تحليق سعر صرف الدولار مقابل الليرة اللبنانية، وبالترابط كل اسعار السلة الغذائية معه، وصولاً الى المحروقات والكهرباء والمولدات الخ…
وإذا كان البنك الدولي في تقرير المرصد الاقتصادي للبنان توقّع أن يصبح أكثر من نصف سكان البلاد فقراء بحلول 2021، فهو عندما وضع تقريره نهاية 2020، كان سعر صرف الدولار بحدود الـ 8 الآف ليرة… ولم يقفز عتبة الـ 17 الفاً كما فعل في نهاية الأسبوع. ثم ان مساعدات البطاقة لن تُصرف قبل 3 أشهر على الأقل بعد تنقيح لوائح المُستفيدين من البطاقات، فمن يضمن سعر صرف الدولار حينها، وبالتالي القوة الشرائية لكل عائلة؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات