Search
728 x 90

اين فجر لبنان من ليله؟

اين فجر لبنان من ليله؟

“الله وحده قادر على مساعدة لبنان للخروج من الأزمة التي هو فيها”.
قالها رئيس مجمع الكنائس الشرقية الكاردينال ليوناردو ساندري راسماً صورة الوضع اللبناني القاتم في “يوم التأمل والصلاة من أجل لبنان” الذي دعا إليه البابا فرنسيس في الفاتيكان، جامعاً تسعة من القادة الروحيين المسيحيين في الأول من تموز 2021.
البابا فرنسيس من جهته، وبلغّة الفاتيكان الدبلوماسية اللبقة لم يوفّر، لا مسؤولاً ولا طرفاً لبنانياً ولا دولة أجنبية مما يحصل. فهل يكون لقاء الفاتيكان فرصة للبنان للعودة الى خريطة الاهتمام الدولي؟

من السذاجة التعويل على اجتماع واحد لوضع حدّ لسبحة الأزمات المعيشية والحياتية والمالية المتراكمة ولعودة لبنان الى اجندة اهتمام الدول الكبرى التي نفضت يديها مما يحصل بعدما استنفدت كل طاقاتها في محاولة دفع المسؤولين اللبنانيين لاستعادة رشدهم وادراكهم لمأسوية المشهد على ارض الواقع.
ولعّل أبرز دليل على نفاذ صبر المجتمع الدولي التصريح الأخير للسفيرة الأميركية دوروثي شيا التي قالت في 25 حزيران 2021 “زرت واشنطن منذ أسبوع تقريباً والتقيت كبار المسؤولين الذين يحرصون على لبنان بشدّة، ولاحظت في كلامهم مدى خطورة الوضع أكثر ممّا ألاحظه في بيروت”.
خطورة الوضع هذه استشعرتها ايضاً دوائر الفاتيكان خوفاً على “لبنان الرسالة” في هذا الشرق الممزق. فكانت دعوة البابا فرنسيس لتسعة رؤساء روحيين لبنانيين لـ “يوم التأمل والصلاة من أجل لبنان”.
البابا فرنسيس الذي عبّر عن قلقه الشديد لرؤية “هذا البلد الذي يحمله في قلبه يتجه بسرعة إلى أزمة خطيرة”، وجّه تأنيباً مباشراً لمسؤولي لبنان من دون ان يسمّيهم بقوله ان لبنان “لا يُمكن أن يترَك رهينةَ الأقْدار أو الَّذينَ يسعون بدون رادع ضَمير وراءَ مصالحهِم الخاصَّة. لبنان بلَد صغير كبير، وهُو أكْثر من ذلك: هو رسالَة عالميّة، رسالة سلام وأخوّة ترتفع من الشرق الأوسط.”
فالفاتيكان – يقول مصدر مقرّب من الصرح البطريركي في بكركي ومطّلع على مجريات اجتماع الأول من تموز – لديه لغته الدبلوماسية الخاصة غير المباشرة لإيصال رسائله المباشرة لمن يعنيهم الأمر.
وأولى هذه الرسائل التأكيد على العيش السلمي “وبكل قوّتنا ان لبنان هو، ويجب ان يبقى، مشروع سلام، وارض تسامح وتعددية”، كما قال البابا فرنسيس في كلمته. الا انه أضاف متوجهاً الى كل الأفرقاء اللبنانيين من دون استثناء قائلاً “يجب ان يبقى واحة أخوّة تلتقي فيها الأديان والطوائف المختلفة، تعيش فيها معاً جماعات مختلفة تفضّل الخير العام على المصالح الخاصة”.
وربما يكون رأس الكنيسة الكاثوليكية تخلى عن دبلوماسيته لوهلة بقوله “من الضروري، وأوّد ان اكرر ذلك، كل من في يده السلطة، فليضع نفسه نهائياً وبشكل قاطع في خدمة السلام، لا في خدمة مصالحه الخاصة. كفى ان يبحث عدد قليل من الناس عن منفعة انانية على حساب الكثيرين”.
وهذا القول، يؤكد المصدر عينه، يكشف مدى اطلاع الفاتيكان على تفاصيل الوضع اللبناني بكل دقائقه. فالبابا فرنسيس دان مباشرة التدخل الخارجي المسؤول بطريقة ما عن الإنهيار اللبناني والاقليمي، قائلاً “كفى استخدام لبنان والشرق الأوسط لمصالح ومكاسب خارجية. يجب إعطاء اللبنانيين الفرصة ليكونوا بناة مستقبل أفضل على ارضهم ومن دون تدخلات لا تجوز”.
وهنا، يقول المصدر يلتقي الفاتيكان مع طلب بكركي حياد لبنان، وإن لم يستعمل البابا فرنسيس كلمة “الحياد” بالتحديد، الا ان دعوته الى تجنيب لبنان التدخلات الخارجية تصب بوضوح في هذه الخانة.
كما ان دعوته أعضاء المجتمع الدولي “لتوفير الظروف المناسبة حتى لا يغرق لبنان” توازي دعوة البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي لعقد مؤتمر دولي بهدف إنقاذ لبنان وإخراجه من أزماته المميتة.
فالفاتيكان، يقول المصدر عينه، سيجّند كل طاقاته وعلاقاته الدولية من أجل الضغط لعودة الإهتمام الدولي بلبنان منعاً لانزلاقه نحو النهاية الحتمية. وهو لم يوفّر جهداً، لا بدعوته القادة السياسيين لإيجادهم حلولاً عاجلة ومستقرة للأزمة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، ولا عبر حثّ اللبنانيين على الصمود وبوضع طاقاتهم في خدمة وطنهم، ولا بدعوة “اللبنانيين في الشتات الى وضع افضل طاقاتهم ومواردهم في خدمة وطنهم”.
الا ان هذا الاهتمام لا ولن يعني، ان الحل وراء الباب كما يحاول البعض ايحاءه، معوّلين على الارشادين الرسوليين العامين 1997 و2012 اللذين توسطهما الخروج السوري من لبنان في آذار 2005.
فلبنان، يؤكد المصدر نفسه، لا يمر بالظروف والمعطيات نفسها التي فرضت الانسحاب السوري من لبنان. ثم، لو سلّمنا جدلاً بارتباط الأمرين معاً، هل يملك وطن الأرز ترف انتظار 8 أعوام للوصول الى آخر النفق؟
فالملف اللبناني يرتبط بصفة واحدة هي حتمية ايجاد حل في أسرع وقت ممكن، لأن “العلاقات بين الناس لا يمكن ان تقوم على السعي وراء المصالح والامتيازات والمكاسب الخاصة للبعض”، كما قال البابا فرنسيس.
ولأن “السلام ليس فيه غالبون ومغلوبون، بل إخوة وأخوات يسيرون من الصراع الى الوحدة رغم سوء التفاهم وجراح الماضي”… ولأن “لا طريق آخر للوصول الى الفجر سوى طريق الليل”، كما ختم البابا فرنسيس الذي سيسعى حتماً بكل ما اوتي من معطيات ووسائل لتحريك ركود الاهتمام الدولي … علّ ليل لبنان لا يطول ليقضي على الفجر المرتقب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات