Search
728 x 90

اهل السلطة يطلقون مبكراً حروبهم لسنة 2022

اهل السلطة يطلقون مبكراً حروبهم لسنة 2022

 المشهد كان سوريالياً مطلع السنة الجديدة على الصعيد السياسي في لبنان. فخلال اسبوع واحد تميز المشهد العام ليس بانهيار متجدد لسعر صرف الليرة في مقابل الدولار الاميركي بحيث ثبت على ارتفاع يتخطى الثلاثين الف ليرة للدولار الواحد فحسب مع كل ما يعني ذلك من تداعيات اقتصادية واجتماعية بل بصراع مفتوح بين حلفاء الصف الواحد في السلطة في الدرجة الاولى وبينهم وبين الاخرين.

بدأ هذا المشهد اولا بمونولوج خطابي متلفز لرئيس التيار الوطني الحر الذي يشكل امتداداً لرئيس الجمهورية العماد ميشال عون ولخطابه الاخير الذي اطلقه قبل نهاية السنة موجهاً سهام اتهاماته في جميع الاتجاهات مع استثناء لافت هو شمول حليفه الشيعي “حزب الله” بمروحة انتقادات فسرت على انها ابتزازاً في موضوعي الانتخابات النيابية والرئاسية المقبلة . الا ان الرد الوحيد على سيل الاتهامات لم يأت سوى على لسان المعاون السياسي لرئيس حركة “امل” نبيه بري الوزير السابق علي حسن خليل. فبدا المشهد في قمة السوريالية ليس فقط على وقع صراع ديوك ورمي الاتهامات بالفساد على الآخرين والبترول منها شخصياً فيما البلد يزداد انهياراً سياسياً بل على وقع انه بين وزيرين سابقين : احدهما وهو باسيل وقد وضع على لائحة العقوبات الاميركية وفقا لقانون ماغنتسكي بسبب الفساد والاخر اي علي حسن خليل وضع على لائحة العقوبات الاميركية بسبب تسهيل عمليات وصفقات لـ” حزب الله” فضلا عن الاشتباه فيه من المحقق العدلي في انفجار مرفأ بيروت في موضوع مسؤوليته على هذا الصعيد .
المشهد الاخر تمثل في اكتمال هذا الصراع على خلفية اضطرار رئيس الجمهورية الى التوقيع على فتح مرسوم دورة استثنائية لمجلس النواب تبدأ في العاشر من كانون الثاني الجاري وتنتهي لدى افتتاح الدورة العادية للمجلس في اذار المقبل . الاضطرار كان بفعل بدء حملة تواقيع نيابية كاد الانتهاء من تأمينها ان يلام عون بالتوقيع على فتح الدورة الاستثنائية لمجلس النواب، فتجنب اقتراع الكأس الالزامية على هذا الصعيد بتوقيع طوعي لمرسوم فتح الدورة انما مع تحديد دقيق للمواضيع المدرجة على اعمالها وببنود اعتبرها نواب مفخخة ما دامت تشمل اعادة البحث في قانون الانتخابات النيابية. وهو ما يرسم علامات استفهام لدى البعض اذا كانت تخفي محاولة متجددة لتطيير انتخابات المغتربين التي لم يبت المجلس الدستوري الطعن في شأنها بناء على طلب التيار الوطني الحر.

وكانت ثمة ردة فعل من الرئيس بري الذي اعتبر ان ” المجلس سيد نفسه وانه يعود لهيئة مكتب المجلس وضع المواضيع التي ترتئيه على جدول اعمال المجلس. ولكن في الوقت الذي بدا ذلك مؤشراً الى حلحلة تفتح الطريق امام مطلب دعوة الحكومة الى اجتماع من اجل اقرار الموازنة العامة في مقابل فتح الدورة الاستثنائية للمجلس والتي تعيد الحصانة النيابية على النواب المدعى عليهم من قاضي التحقيق في انفجار مرفأ بيروت طارق البيطار، فإن الصدام بين الرئاستين الاولى والثانية افشل المسعى الى جلسة يتيمة للحكومة .
وقبل ان تأخذ الدعوة الى الحوار التي وجهها رئيس الجمهورية قبل الاعياد اي مفاعيل تذكر، فجر الامين العام لـ” حزب الله” حسن نصرالله فصلاً جديداً من تعقيدات علاقة لبنان مع الدول الخليجية ولا سيما مع المملكة السعودية حيث رفع سقف العداء موجهاً الاتهامات لها بالارهاب ردا على توصيف المملكة الحزب بأنه حزب ارهابي. ومع ان هذا التوصيف ليس جديداً، لأن الحملات من نصرالله اكتسبت طابعاً عدائياً بدا بالنسبة الى كثيرين مقصوداً لإبقاء السعودية بعيدة عن اعادة الانخراط في لبنان سياسياً وعبر مساعدات انسانية قد تساهم في عرقلة خططه للانتخابات النيابية المقبلة. وهذا الموقف اثار جملة ردود حادة من من كبار المسؤولين والزعماء كما من الامارات العربية التي طالب احد مسؤوليها بمحاكمة نصرالله فيما اعتبره كما اعتبرته السعودية مهدداً للامن القومي العربي.
ومع انه لا يجب ان يتوقع اللبنانيون اقل من مسرحيات من هذا النوع مع بدء العد العكسي لانتخابات نيابية من حيث المبدأ في ظل مأزق الاحزاب والتيارات السياسية التي لا تعي حجم المأساة اللبنانية فتغرق في الاسفاف في الشعارات والتنصل من المسؤولية عبر تبادل تهم الفساد، ثمة فشل ينتظر دعوة عون للحوار بحيث لم ترها الاوساط السياسية الا في اطار السعي الى احراج الآخرين بها في سنته الاخيرة وبدء مسار التحضير لوريثه السياسي وقد اتجه الجواب عليها من رأس الكنيسة المارونية على نحو وفّر على الآخرين اي رد فعل. فالبطريرك الماروني بشارة الراعي رأى ضرورة اطلاق “حوار وطني برعاية الأمم المتحدة في إطار مؤتمر دولي يعطي للحوار ضمانة أممية وآلية تنفيذية، “فالحوارات الداخلية، التي لطالما رحبنا بها وأيدنا توصياتها وقراراتها، ظلت من دون تنفيذ، بل تنصل منها بعض الأطراف المشاركين فيها”.

وقد بدأت الردود علنية في اتجاه الرفض اولاً من جانب رئيس تيار المستقبل صاحب اكبر كتلة سنيّة في المجلس النيابي سعد الحريري الذي اتصل بعون وبلغه تحفظه على الدعوة التي لا تصح بمواضيع على هذا المستوى الا بعد الانتخابات النيابية. فيما حظيت الدعوة بترحيب من الحليف الشيعي لرئيس الجمهورية اي “حزب الله”. رحب بري انما بتحفظ علني على طرح اللامركزية المالية التي اوردها عون من ضمن البنود في مسعى واضح لادخال تعديلات دستورية على اتفاق الطائف. وفيما ان رئيس الحكومة لم يرفض الدعوة الى الحوار وابلغ عون انه يمثل رئاسة الحكومة وليس الطائفة السنية، تواجه الدعوة للحوار رفضاً من حزبي الكتائب والقوات اللبنانية.

والتحفظات الرئيسية الى واقع ان التوقيت غير ملائم قبل الانتخابات لاعادة تكوين النظام اللبناني او اعادة النظر فيه، فإن عون لا يشكل مرجعية وهو طرف متهم بالسعي الى اجراء تغييرات في النظام السياسي والمالي يصعب ان يوافقه عليه حتى المسيحيون في هذه الظروف بالذات على الاقل. كما يتهم بالسعي الى اعادة تعويم عهده في الاشهر العشرة الاخيرة من ولايته وبالسعي الى اغراء الخارج من خلال وضع موضوع سلاح “حزب الله” على طاولة الحوار علّه يستدرج دعماً خارجياً لوريثه السياسي جبران باسيل من اجل رفع حظوظ الاخير لرئاسة الجمهورية.
هذا المسار السياسي هو ما ستكون عليه السنة الطالعة للبنان مع استحقاقي الانتخابات النيابية والرئاسية التي لا يرى اهل السلطة سواها اياً يكن الانحدار الكارثي الذي يتجه اليه لبنان .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات