Search
728 x 90

انقلاب السودان كتحدي اساسي لواشنطن

انقلاب السودان كتحدي اساسي لواشنطن

يشكل الانقلاب العسكري في السودان تحدياً لواشنطن التي لم تبد حيال حوثيي اليمن حزماً مماثلاً لذلك الذي مارسته حيال قائده عبد الفتاح البرهان الذي أطاح بالحكومة المدنية السودانية معتقلاً ابرز اركانها.

قد يكون الانقلاب العسكري للجيش السوداني بقيادة عبد الفتاح البرهان ابرز التحديات التي تظهر في خلالها الولايات المتحدة عزمها على اظهار قوتها وارادتها بعدم التراجع ازاء التطورات التي لم تؤيدها. اذ منذ اعلن البرهان الانقلاب في 25 تشرين الاول الماضي مطيحاً الحكومة المدنية واعتقال ما لا يقل عن خمسة من كبار الشخصيات في الحكومة السودانية، في مقدمهم رئيس الوزراء المدني عبدالله حمدوك حتى بادرت الى توجيه الرسائل الضاغطة بقوة على البرهان من اجل العودة عن الانقلاب واعادة السلطة المدنية الى العمل.
ويبدو ان التحدي الذي ترفعه الولايات المتحدة يشكل امتحاناً مهماً جداً لواشنطن التي لم تظهر ضغطاً مماثلاً على الحوثيين في اليمن من اجل قبولهم بخطة السلام المطروحة لإنهاء القتال في اشارة قوية الى حفظ احتمالات العودة الى الاتفاق النووي مع ايران في ظل دعم هذه الاخيرة لحرب الحوثيين في اليمن.
كما ان واشنطن منيت بانسحاب فوضوي كارثي من افغانستان، ما ترك انعكاسات سلبية بالغة على ادارة الرئيس جو بايدن فيما ان المفاوضات مع ايران التي يفترض ان تستأنف في اواخر شهر تشرين الثاني الحالي استنزفت جهود واشنطن وتحذيراتها بالذهاب الى خيارات اخرى، في انتظار ان تظهر ايران جدّية في هذه المفاوضات بالعودة الى العمل بالاتفاق الموقع في العام 2015 والتي انسحبت منه ادارة الرئيس السابق دونالد ترامب.
بدا الانقلاب في السودان تحدياً لواشنطن انطلاقاً من ان اللقاءات التي كان عقدها موفدها الى القرن الافريقي جيفري فلتمان سبقت الانقلاب بيوم واحد وامكانات زيارته في اعقاب مؤشرات تمثلت في تظاهرات منذرة بالتوتر. اذ كان خرج متظاهرون إلى الشوارع قبل اسبوع من اعلان الانقلاب مطالبين بانقلاب عسكري وطالبوا اللواء البرهان رئيس مجلس السيادة بفرض السيطرة على البلاد. وواصل متظاهرون مؤيدون للجيش تحركاتهم واقاموا اعتصاماً امام القصر الرئاسي لهذه الغاية في مقابل تظاهرة دعماً للحكومة الانتقالية.
واصلت واشنطن ممارسة ضغوطها المباشرة وطالبت البرهان بإطلاق رئيس الحكومة والوزراء الذين اعتقلهم، وهذا ما بدأ يحصل تباعاً في موازاة الدعوة الى اعادة العمل بالاتفاق السابق على اثر الانقلاب في 2019 لجهة تقاسم السلطة بين الجيش والمدنيين.
وباشرت واشنطن بالاعلان عن عزمها تجميد مساعدات بقيمة 750 مليون دولار للسودان كان هدفها دعم الانتقال الديمقراطي في البلاد، فيما ان الكونغرس هدد باتخاذ اجراءات ضد الجيش السوداني في ظل اعتبار واشنطن ان ما حصل من اعلان حال الطوارئ في البلاد، وحلّ مجلسي السيادة والوزراء الانتقاليين، وإعفاء الولاة، وتعليق العمل ببعض بنود الوثيقة الدستورية الخاصة بإدارة المرحلة الانتقالية “استيلاء عسكرياً على السلطة”. تشعر واشنطن انها خدعت لأن فلتمان كان التقى برهان كما حمدوك قبل يوم واحد من الانقلاب ولم يفصح الجيش عن نياته امامه لا بل طمأنه بأنه سيبقى ملتزماً بالحكم المدني.
الضغوط التي مارستها واشنطن حتى الان يخشى كثر الا تستطيع اعادة العقارب الى الوراء لاعتبارات متعددة تبدأ من عدم اولوية السودان والمنطقة ككل في جدول اهتمامات الادارة الاميركية وصولاً الى اجندات مختلفة للدول الاقليمية في ظل انفكاك الولايات المتحدة عن المنطقة وعزمها على الانسحاب منها.
ففي ظل هذه الاستراتيجية الاميركية ازاء المنطقة، غدت الدول المجاورة للسودان محررة من اي التزامات مع واشنطن في هذا الاطار. والجدير ذكره ان هناك جملة اعتبارات تبدأ من توسع الصراع في إثيوبيا المجاورة على نحو خطير واستمرار النزاع الحدودي السوداني مع إثيوبيا من دون حل، وكذلك استمرار الصراع بين مصر والسودان مع إثيوبيا حول سد النهضة على النيل الأزرق بالقرب من الحدود السودانية. ويخشى البعض ان واشنطن قد تكون ساهمت في زعزعة الاتفاق الهش في السودان على خلفية تطبيع السودان العلاقات مع اسرائيل على خلفية اغراءات مالية كبيرة ايضاً.
وهذه الاعتبارات لوحدها من شأنها ان تهدد الاستقرار في السودان ودول الجوار على نحو يخشى معه فوضى وخلافات تستعر على خلفية سد النهضة الذي هو موقع خلاف اصلاً الى ما يتعداه . ولذلك يخشى الا تساهم الضغوط التي تقوم بها واشنطن في تغيير المعطيات كثيراً حتى لو تم التجاوب مع البعض منها لجهة اطلاق وزراء الحكومة من المدنيين. فالسودان بلد الانقلابات الكثيرة سبق له ان تصدى لكل العقوبات التي فرضتها واشنطن ابّان حكم عمر البشير ويخشى ان هناك شبهة قوية بدعم بعض دول الجوار للانقلاب العسكري لاعتبارات متعددة .
كرد فعل فوري وضاغط علّق الاتحاد الافريقي عضوية السودان في انتظار عودة حكومة حمدوك كما ان الدول الاوروبية وقوى غربية اكدت أنها لا تزال تعترف بمجلس الوزراء برئاسة حمدوك على أنهم “القادة الشرعيون للحكومة الانتقالية” وأصرّت على السماح لسفرائها بالتواصل مع حمدوك. ولذلك وتخفيفاً لهذه الضغوط، أعلن البرهان عن استعداده لاستعادة حكومة حمدوك في 28 تشرين الأول، على الرغم من رفض رئيس الوزراء المخلوع هذا العرض الأوّلي ، مما يجعل أي حوار إضافي مشروطاً بالاستعادة الكاملة للنظام الذي اتفق على ارسائه قبل الانقلاب. وهذا غير مرجح على الاطلاق .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات