Search
728 x 90

الى اين مع اليمين المتطرف؟

الى اين مع اليمين المتطرف؟

متسلحاً بـ 64 مقعداً، عاد رئيس الحكومة الاسرائيلية السابق، رئيس الليكود بنيامين نتنياهو الى الساحة السياسية طارحاً أكثر من علامة استفهام حيال حكومة يمينية متطرفة مرتقبة ستنضم الى لائحة الحكومات المماثلة في العالم التي تؤشر كلها الى انتشار شبه كاسح لليمين المتطرف في أكثر من قارة… فلماذا عودة هذه النزعة المتطرفة في دول دخلت عالم الرقمية ومنصات التواصل الاجتماعي من الباب العريض؟

قد لا يكون تأثير عودة بنيامين نتنياهو الى الحكم الذي استأثر به 12 عاماً في اسرائيل مشابهاً لوصول احزاب يمينية محافظة او متطرفة عدة في العالم الى سدّة الحكم. فالرجل متهم بقضايا فساد ورشوة وهو في طور المحاكمة، وليست عودته الى الحكم سوى وسيلة لتقويض النظام القضائي عبر منحه الحصانة المطلوبة تفادياً لإدانته. الا ان تحالفه مع الأحزاب اليمينية المتطرفة في اسرائيل ستكون بيضة القبّان التي قد تقلب المقاييس حتماً، بالنسبة الى كل من الفلسطينيين ولبنان، اذ ان هذا التحالف هو المعبر الواسع لليمين المتطرف لينفذ أجندته الداخلية.
فالنتائج النهائية للإنتخابات أظهرت نيل “أقصى اليمين” 64 مقعداً من مجموع مقاعد الكنيست البالغ عددها 120 مقعداً، مقابل 51 مقعدا لفريق “التغيير” بزعامة رئيس الوزراء الحالي يائير لبيد.
وفي التفاصيل ان الليكود بزعامة رئيس الوزراء الأسبق بنيامين نتنياهو حصد 32 مقعداً. ونال حزبا “يهودوت هتوراه” لليهود الأشكناز الغربين وحزب “شاس” لليهود الشرقيين 18 مقعداً، في حين حصد تحالف “الصهيونية الدينية” الذي يقوده كل من إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش 14 مقعداً. وفي الضفة المقابلة، حصد حزب “هناك مستقبل” بقيادة لبيد 24 مقعداً، والمعسكر الوطني بزعامة وزير الدفاع بيني غانتس 12 مقعدًا، وحزب “إسرائيل بيتنا” 6 مقاعد، والقائمة الموحدة 5 مقاعد، وحزب العمل 4 مقاعد. واحتل المقاعد الخمسة المتبقية تحالف الجبهة والعربية للتغيير برئاسة أيمن عودة وأحمد الطيبي. اما حزبا “ميرتس” اليساري و”التجمع العربي الديمقراطي” فلم يتجاوزا نسبة الحسم لدخول الكنيست.
فالأحزاب اليمينية المتطرفة لاقت رواجاً كبيراً بين الفئة الشبابية التي بلغت سن الانتخاب، ولا سيما حزب إيتمار بن غفير الذي استقطب أصوات العديد من الشباب الذين يصوتون لأول مرة بسبب وعوده برفع مستوى الأمن، وتنفيذ عقوبة الإعدام ضد الإرهابيين.
من هنا القلق من منحى السياسة الاسرائيلية المقبلة حيال الملفات “الساخنة” اقليمياً وعالمياً، ولا سيما سياسة اكثر تشدداً حيال الملف الفلسطيني والاستيطان المرجح ان يتصاعد في الضفة الغربية. وقد اورد تقرير لموقع أكسيوس أن “الغالبية العظمى من ائتلاف نتانياهو تعارض حل الدولتين، وتؤيد ضم الضفة الغربية، وتطالب القوات الإسرائيلية برد أقوى من قبل على الهجمات الفلسطينية المسلحة”.
وللدلالة فقط، فإن حركة بن غفير التي تشكل ثاني أكبر حزب في الائتلاف الحاكم المرتقب، تطالب بطرد العرب وبتهويد المسجد الأقصى وتطبيق التوراة في الدولة اليهودية، كما سبق واعلنت أن أي حكومة ستشارك فيها بعد الانتخابات الإسرائيلية “ستسنّ قانوناً يشرّع تنفيذ حكم الإعدام ضد عناصر المقاومة الفلسطينية وطرد كل من يعمل ضد إسرائيل”.
وما اطلاق صاروخ من غزة نحو اسرائيل فور ظهور بوادر فوز نتنياهو سوى المؤشر الأبرز لما ستؤول اليه العلاقة الفلسطينية – الاسرائيلية مستقبلاً.
وبالإضافة الى الملف الفلسطيني، يتوقع اكثر من مراقب تشدداً مماثلاً حيال الملف النووي الإيراني واتفاق ترسيم الحدود البحرية مع لبنان والأزمة الأوكرانية.
فبالنسبة الى لبنان، العنوان الظاهر أكده نتنياهو خلال حملته الانتخابية قائلاً “سأتصرف في اتفاقية الغاز كما فعلت في اتفاقية أوسلو التي كانت اتفاقية استسلام أخرى سيئة من قبل الحكومة اليسارية”.
وتجدر الاشارة الى ان نتنياهو عارض بشدة اتفاق اوسلو الموقع بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية العام 1993، لكنه، وإن لم يلغه، لم يطبقه على أرض الواقع.
وفي المقابل، اطمئنان لبناني الى عدم الغاء اتفاق ترسيم الحدود البحرية مع اسرائيل، اذ قال رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي “إن الضمانات الأميركية ستحمي اتفاق الحدود البحرية مع إسرائيل في حال فوز نتنياهو.” فالإتفاق، اضاف ميقاتي، “أصبح في عهدة الأمم المتحدة، ولبنان من ناحيته ملتزم بهذا الاتفاق الذي أودع في الأمم المحتدة ونحن لا نعتقد أن أحدا يمكن أن يزيح قيد أنملة بهذا الموضوع”.
من جهته، كشف نائب رئيس المجلس النيابي الياس بو صعب ان “لبنان حصل على ضمانات أميركية بشأن استمرارية اتفاق الترسيم. اما “إذا أراد نتنياهو الانسحاب، فإنه ينسحب بذلك من اتفاق مع الولايات المتحدة، و يضع نفسه في مواجهة المجتمع الدولي”.

… في قبضة التطرف؟

وفي ظل القلق الاقليمي المشروع من عودة نتنياهو الى الحكم متسلحاً بائتلاف يميني متطرف، لا بد من النظر الى الصورة عالمياً بشكل أشمل وأوسع حيث ظاهرة اكتساح اليمين المحافظ كما المتطرف الساحة السياسية في اكثر من بلد، من اوروبا والولايات المتحدة الأميركية واميركا اللاتينية الى آسيا، مع تسجيل الفارق المميز بين اليمين المتطرف واليمين المحافظ، إذ لا يجوز وضع الإثنين في سلة واحدة.
اما أبرز هذه الأحزاب اليمينية على الخريطة العالمية، أكانت محافظة ام متطرفة، فتأتي كالآتي:
– الولايات المتحدة الأميركية: حزب الجمهوريين المحافظ بقيادة الرئيس السابق دونالد ترامب الذي حوّله اكثر تشدداً، كما انشأ جداراً بين الولايات المتحدة والمكسيك لمنع تدفق اللاجئين، متخذاً سلسلة تدابير بحقهم، تتنافى وحقوق الانسان.
– ايطاليا: وصول حزب “أخوة إيطاليا” بقيادة الصحافية والوزيرة السابقة في حكومة سيلفيو برلسكوني، جورجيا ميلوني الى الحكم, وهي دعت الى انشاء “حصار بحري” لوقف تدفق اللاجئين إلى أوروبا من البحر الأبيض المتوسط، بحيث ان حكومتها وصفت بأنها اكثر الحكومات “فاشية منذ انتهاء الحقبة الفاشية لبينيتو موسوليني.
– السويد: حزب “ديمقراطيو السويد” الذي بات ثاني أكبر حزب سياسي في البلاد بعد الحزب الديمقراطي الاجتماعي بفعل الأرقام التي حققها في الانتخابات السويدية الأخيرة. وهو يدعو لمعارضة الهجرة.
– بريطانيا: حزب الاستقلال المحافظ في المرتبة الثالثة برلمانياً. وهو طالب بانسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، كما بمراقبة صارمة للهجرة، ورفض المجتمع المتعدد الثقافات.
– فرنسا: حزب الجبهة الوطنية الذي بات أقوى حزب سياسي في فرنسا بقيادة مارين لوبين التي تدعو للتحرك ضد ما تعتبره “أسلمة فرنسا”، داعية لفرض عقوبات مشددة على الأجانب الذين يرتكبون جنايات. كما تطالب باستقلالية أكبر لفرنسا عن الاتحاد الأوروبي.

– المانيا: تضمن التقرير السنوي لوكالة الاستخبارات الداخلية في ألمانيا “المكتب الاتحادي لحماية الدستور” في حزيران 2021، للمرة الأولى، فقرة خاصة بعنوان “اليمين الجديد” عن الحركات السياسية المتطرفة في البلاد. وكشف التقرير عن “شبكة غير رسمية” تضم أفرادا ومنظمات لا تشن أعمالا عنيفة لكنها تغذي “ثورة ثقافية يمينية” تهدد الدستور الألماني”. واشار بالإسم الى “حركة الهوية” باعتبارها حركة يمينية متطرفة، كما الى بيورن هوكه زعيم فرع حزب “البديل من أجل ألمانيا” اليميني الشعبوي، والى منظمة “واحد في المئة”، كما الى وسائل اعلام ومنصات للتواصل الإجتماعي مرتبطة بها.
– النمسا: حزب الحرية، النمسا أولاً. وهو ينتقد الاتحاد الأوروبي وعملة اليورو ويحرض ضد المسلمين ويتبنّى سياسة معادية للهجرة وطالبي اللجوء.
– المجر: حزب “مجر أفضل” بزعامة رئيس الوزراء فيكتور أوربان (منذ 2010) الذي يجاهر برفض المهاجرين السوريين قائلاً انهم “يهددون مسيحية أوروبا”. وقد بنى سياجاً حديدياً على حدود البلاد، مرحّلا اياهم الى النمسا والمانيا، كما اصدر قوانين لتحجيم حرية الصحافة والرأي.
– هولندا: حزب الحرية بزعامة فون غيرت فيلدرز الذي يدعو إلى انسحاب هولندا من الاتحاد الأوروبي والتحريض الممنهج ضد المسلمين.
– الدنمارك: حزب الشعب الدنماركي، وهو ثالث أقوى كتلة سياسية داخل البرلمان. وهو يدعو لسياسة معادية للأجانب، ولاسيما المسلمون منهم، ويدعو للإنصال عن الاتحاد الأوروبي.
– اليونان: حزب الفجر الذهبي الذي زادت شعبيته كثيراً اثر الازمة الاقتصادية العام 2009، وارتفاع اعداد اللاجئين الوافدين الى اليونان.
– بولندا: حزب القانون والإنصاف الرافض للإتحاد الاوروبي ولإيواء اللاجئين والمنادي بـ “الأولوية لبولندا”، والداعي الى بناء جدار على الحدود مع أوكرانيا.
– الهند: منذ العام 2014 ، احتل ناريندرا مودي وحزبه اليميني منصب رئاسة الوزراء لتسعة اعوام متخذاً مواقف عدائية ضد المسلمين، وابرزها اصداره قانون الجنسية الذي يمنح الجنسية الهندية الى اللاجئين من أفغانستان وبنغلادش وباكستان، لكنه يستثني المسلمين منهم. ثم ان الحكومة الأميركية رفضت منحه تأشيرة دخول بسبب الاشتباه بدعمه هجمات عصابات متطرفة هندوسية على المسلمين في ولاية غوجارات الهندية عام 2002.
– البرازيل: دعا الرئيس البرازيلي اليميني المتطرف المنتهية ولايته جايير بولسونارو (عضو الحزب الليبرالي الاجتماعي اليميني) الذي حكم البلاد منذ العام 2018، الى عودة امجاد البرازيل كما روّج للهجمات على الأقليات ، وللعنف ضد المجرمين والنشطاء وأحزاب المعارضة. كما طالب انصاره أخيراً الجيش بالتدخل لمنع الرئيس المنتحب لولا دا سيلفا من تولي السلطة
هذا، اضافة الى نمو الخطاب اليميني المتطرف في كل من اوكرانيا وجورجيا وارمينيا.
وفي الموازاة، انتشرت العمليات المتطرفة المنفردة في أكثر من بلد، مستهدفة اليهود تارة والسود والمسلمين طوراً، على مثال النروجي اليميني المتطرف أندرس بيرينغ بريفيك الذي نفذ هجوماً قاتلاً في أوسلو وجزيرة أوتويا في تموز 2011، متحججاً بـ “الدفاع عن أوروبا من الهيمنة الإسلامية والتعددية الثقافية”، ناهيك عن عملية قتل اكثر من 50 شخصاً في مسجدين في كريستشورش في نيوزيلندة العام 2019، بحجة “حماية البيض من أصل أوروبي من الهجرة والمسلمين والتهديدات التي ترقى إلى “إبادة جماعية للبيض”، مما حدا برئيسة الوزراء النيوزيلندية جاسيندا أردن الى الكلام عما أسمته ” التطور المستمر للتهديد العالمي”.
ورغم اختلاف الظروف الداخلية التي ادت الى هذه النتيجة عالمياً، فإن عناوين ثلاثة مشتركة تظهر في كل منها، الا وهي:
عامل الخوف الذي يتم استثماره من قبل الأحزاب اليمينة المتطرفة: خوف من المهاجرين ومنافستهم وتأثيرهم على اقتصاد هش، كما خوف من الإرهاب والتطرف.
– عامل القلق من فقدان الهوية الوطنية والقومية في ظل الموجات الواسعة للهجرة واللجوء، ولا سيما اوروبياً حيث بدأت تظهر الخلافات حيال العادات والتقاليد والقيم بين مواطني هذه الدول والمهاجرين.
– عامل الإسلاموفوبيا الذي ينبع مباشرة من العامل السابق، في ظل ارتباط الارهاب ببعض التنظيمات المسلمة مثل القاعدة وداعش. وهو يؤدي الى العنصرية العميقة التي تستغلها الأحزاب اليمينية المتطرفة بشكل واسع.
وقد اتت الثورة التكنولوجية لتزيد انتشار الفكر اليميني المتطرف بفضل منصات التواصل الاجتماعي التي شكلت شبكة تواصل عملاقة بين مؤيديه اينما كانوا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات