Search
728 x 90

الهويّة اللّبنانيّة: التّدمير الممنْهج

الهويّة اللّبنانيّة: التّدمير الممنْهج

لطالما كانت إشكاليّة الهُويَّة اللُّبنانيّة في عُمْقِها. فرادتُها مُقْلِقَة. لم يكُن سَهْلاً في جيوبوليتيكٍ متعِب، ومُقْلِق، ومأزوم أن يؤدّي لبنان دورًا رياديًّا في بناءِ النّهضةِ العربيّة، وفي الوَقْتِ عينه استِقطاب استِشراقٍ في الغَرْب.

زياد الصّائغ

خبير في السياسات العامة

 ثمَّة في هذه الإشكاليَّة الكثير من التّعقيد. بين الإبداع الفرديّ، والتّماسك الجماعاتيّ للمكوّنات الرُّوحيّة في النّسيج الاجتِماعي، والمسار الجماعيّ الدّولي تلاقٍ لكنْ أيضًا مآزِق. التّلاقي على تشكيل الأمَّة اللُّبنانيّة كما عبَّر كمال يوسف الحاج فَلْسَفةً وصناعةً حضاريَّة للشخصيّة اللُّبنانيّة، لم يَمْنَع توقًا إلى توسيع التَّلاقُح الثّقافي والمدى الحيويّ الاستراتيجيّ مع العالم العربي، كما التّفاعُل مع مستجدَّات الحضارة الغربيّة.
في كُلِّ ما سَبَق واجَهَت الهُويَّة اللُّبنانيّة، ومنذ الاحتِلال العثماني على مدى 400 عامّ لمحاولاتِ اغتيالٍ عديدة. لكنَّ أحَدًا لم يُفكِّك مستويات هذه المحاولات الخبيثة، وتجاهلت الأكثريّة النُّخبويّة مقاربة معطوبيَّة الهُويَّة اللُّبنانيّة نفسها، بسببٍ من انخِراطٍ للُّبنانيّين في الالتِزام بخيارات لا تمُتّ إلى القضيّة اللُّبنانيّة رسالةً ودورًا بأيّ صِلة. فلُبنان ليس رُقْعَة جغرافيّة، أو كُتْلة ديموغرافيّة، أو مؤسَّساتٍ “دَوْلَتيَّة” (Etatique) حصرًا بل هي معنى وفِكْرَة وواحَة من الحريّات، وحقوق الإنسان، والإبْداع الفكريّ، والتعدُّديّة التّفاعُليّة، والعيش الواحِد المُبتكِر في مواطنةٍ حاضِنة للتنوّع. تفكيكُ المحاولاتِ الخبيثة يطُول لكنْ ما يعنينا في هذه العُجالة اللَّحْظَة الرَّاهِنة التي فيها هُجُومٌ من حِلْفٍ أسْوَد أيديولوجيّ، يمتطي صَهْوَة جواد “حِلْفِ الأقليَّات” ويَنْقَضّ على نموذجيَّة الشَّخصيَّة اللُّبنانيّة الحُرَّة، ويَنْزَع الجماعات الرّوحيّة مِنْ ثوابِتِها اللُّبنانيّة التّاريخيّة، ويُجوِّف الدَّوْلَة النّاظِمة للعقد الاجتِماعي من فاعليتها. “حِلْفُ الأقليَّات” و “استِدعاءُ الحمايات”، و “ميغالومافيا السُّلْطَة”، و “شَبَقُ الجَشَع”، و “تهجير الكفاءات”، و “اغتيال النُّخب”، و “ضربُ التنوّع، و “تفتيتُ الميثاقيّة”، و “تعميم ثقافة السِّلاح”، و “نشر فوبيا الآخر”، كُلُّ هذا تدميرٌ مُمَنْهَج.
الأهَمّ في مواجهة هذا التّدمير المُمَنْهَج إعادة الاعتِبار لفرادة الشَّخصيّة اللُّبنانيّة الحضاريّة العربيّة الإنسانيّة، وخَلْقُ مَنَاعة في الوَلاءِ المًطْلَق لها، ليس بمعنى العصبيّة، بل بمعنى استِعادة ميزاتِها التَّفاضليَّة.
لُبْنان في معركة وجوديّة، والهُويّة بنيويّة في الصُّمود.
حمى الله لبنان والشَّعْب اللُّبناني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات