Search
728 x 90

المفاوضات السرية بين سوريا واسرائيل: اين كانت ايران؟

المفاوضات السرية بين سوريا واسرائيل: اين كانت ايران؟

تكمن اهمية الكتب التي يكتبها ديبلوماسيون اميركيون او غربيون عن فترات مهامهم في انها تكشف معلومات غالباً لا يزال اطرافها احياء يمكنهم دحض ما ورد فيها او اعطاء وجهة نظرهم التي تكون وجهاً آخر للحقيقة غير الجانب الذي تم التعبير عنه.

وكتاب الوسيط الاميركي فريدريك هوف الصادر حديثاً سلّط الضوء على ابرز وساطاته الاخيرة على خط تسهيل الوصول الى اتفاق سلام بين سوريا برئاسة بشار الاسد واسرائيل برئاسة بنيامين نتنياهو. يكشف هوف الذي عمل وسيطاً ايضاً على خط ترسيم الحدود البحرية بين لبنان واسرائيل وانجازه ما سمي بخط هوف تفاصيل المحادثات وبنود المسودات للاتفاق الذي كان على وشك الموافقة عليه لولا انطلاق الانتفاضة السورية في منتصف اذار 2011.

كتاب هوف المعنون ” بلوغ المرتفعات” يدحض على الاقل بالنسبة الى مراقبين سياسيين جملة عوامل من بينها في شكل اساسي الاتهامات التي ساقها النظام ومعه حلفاؤه ولا سيما في لبنان ازاء وقوف الدول الغربية او الولايات المتحدة وراء انطلاق الثورة السورية التي قاربها بشار الاسد على نحو خاطىء بإطلاق النار على المتظاهرين العزّل تعبيراً عن مدى الخوف الذي انتابه مما تشكله التظاهرات التي انطلقت من تهديد لنظامه. اذ تبعاً لذلك كانت مصلحة الاميركيين وحتى مصلحة اسرائيل التي لم تخف دعمها للاسد في كل العقد الطويل من الحرب الاهلية لسوريا على خلفية طموحها الى عقد اتفاق سلام مع الاسد ينهي حال العداء معها وصولا الى لبنان في بقاء الاسد وعدم حصول رد فعل امني وحشي على تظاهرات مطلبية قد تكون ارعبت الاسد على خلفية ما كان حدث في بعض الدول العربية تحت شعار “الربيع العربي” وادى الى تهاوي رؤساء هذه الدول.

في المقابل من المهم معرفة موقع ايران من هذا الاتفاق الذي كان على وشك الانجاز. اذ قد تكون مصلحة ايران اكبر بكثير في تشجيع الاسد على رد الفعل الامني المضخم والمبالغ فيه من اجل توريطه في حرب داخلية من اجل منعه من الذهاب الى اتفاق مع اسرائيل كونها كانت ستخسر نتيجة التزام الاسد بالتخلي عن ايران و”حزب الله” كأبرز نقاط الاتفاق مع اسرائيل ليس فقط حليفها السوري بل ايضاً ستضعف نفوذ ذراعها القوية في لبنان اي الحزب بالاضافة الى الحد من امتدادها الى البحر المتوسط عبر الاخير.

لا تكشف حيثيات التطورات في المنطقة بالسهولة التي يكشفها الغرب وديبلوماسيوه وقد يمر وقت طويل قبل معرفة الحقائق . لعل الاسد بالغ في تقدير تغليب مصلحة بلاده في اتفاق مع اسرائيل بعيداً من حليفه الايراني الذي كان يراقب بقلق على الارجح التحول الذي يحد من نفوذه ويفقده اوراقاً اساسية كورقة الحزب في لبنان، كما بالغ الاسد ازاء قدرته على بيع الحزب ومنع امداده بالسلاح وانهاء “مقاومته”.

المزيد من المعلومات عن تلك المرحلة قد يكشف افتعال الثورة من اجل اجهاض تحول تاريخي في المنطقة كان سيحصل بالاتفاق بين اسرائيل وسوريا الذي وضع تحت عنوان “الارض مقابل التموضع الاستراتيجي” اي تخلي الاسد عن ايران والحزب. اذ كشف هوف قول الاسد ” ان الجميع سيفاجأون بالسرعة التي سيلتزم بها حسن نصرالله بالقواعد بمجرد اعلان كل من سوريا واسرائيل التوصل الى اتفاق سلام ” الى جانب كشف هوف ما سبق ان نقل عنه من اقرار الاسد بأن مزارع شبعا سورية وليست لبنانية.

هذا لا ينفي ان مزارع شبعا اثير موضوع لبنانيتها على اثر انسحاب اسرائيل من الجنوب في العام 2000 والذي احرج سوريا واربكها جداً وكانت ترغب في اوراق ضغط وابتزاز عبر استمرار بقائها في لبنان واستخدامه ازاء اسرائيل. وهذا لا يفاجىء احداً من اللبنانيين ولكنه يحرج الدولة اللبنانية فيكشف مدى تورطها وضعفها كما يحرج الحزب تحديداً باعتبار انه يجرّده من اي اوراق فعلية علماً انه طوّر خطابه ولم يعد يربط سلاحه بوجود ارض محتلة بل بات يرغب الاحتفاظ به بالمطلق ومن دون سبب فعلي او وجيه.

وبات الاسد نتيجة للحرب ومسارعة ايران والحزب الى منع سقوطه قبل دخول روسيا على الخط لإنقاذهم جميعاً في سوريا رهينة ايران اكثر من اي وقت مضى. انها ايران وحدها من لها مصلحة في بقاء حال العداء لاسرائيل لاستثمارها فيه من جهة وعدم عزلها او ابعادها عن المنطقة نتيجة فقدانها المرجح لسوريا ولبنان على حد سواء باعتبار ضمان الاسد لهوف ان لبنان سيلحق بها حكماً. فيما ان فشل الاتفاق ليس نتيجة لخلاف على بنوده كما حصل سابقاً او لتعطيل اسرائيلي، بل نتيجة انطلاق الثورة السورية التي شيطنها الاسد، ما يثير تساؤلات اذا كان العداء لاسرائيل يستمر ايديولوجياً في هذه الحال او اذا كان لا يزال يجدي علماً ان الاسد لم يصدر اي موقف او ينبس ببنت شفة ازاء تطبيع العلاقات لبعض الدول الخليجية مع اسرائيل فيما انه كان سيكون سباقاً على هذا الصعيد على الاقل خلال بداية العقد المنصرم من دون تجاهل الوساطة التركية ايضا قبل الوساطة الاميركية. وهذا يفترض عدم رضى ايران . والاحتمال الثاني وهو ليس مرجحاً معرفة ايران بالاتفاق المرتقب مع اسرائيل وصمتها على تحوّل يضيّق هامشها ويقيّد نفوذها في المنطقة.
يعتقد مراقبون كثر ان الاسد لا يزال قيماً لهذه الاعتبارات بالذات وهو يمكن ان يستعيد شرعيته من جانب الاميركيين بسهولة مع العودة الى اتفاق محتمل يوقعه مع اسرائيل في الوقت الذي يتم طرح تخليه عن ايران ايضاً. ولكن الاوراق باتت اكثر اختلاطاً من السابق ليس على وقع شركاء الاسد في السيطرة على الاراضي السورية بل ايضاً على واقع ما ستفرزه الحرب الروسية على ايران من متغيرات ولا سيما ان روسيا لاعب اساسي في سوريا ايضاً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات