Search
728 x 90

المعركة الى الرئاسة تدمر لبنان

المعركة الى الرئاسة تدمر لبنان

كشفت مسرحية مأسوية قام بادائها رئيس الجمهورية ميشال عون وصهره جبران باسيل في شأن قرار رفع الدعم عن المحروقات، والذي اتخذه حاكم مصرف لبنان رياض سلامه، خطورة لعبة داخلية يشكلان واجهتها وترتبط بأبعاد محلية وخارجية ايضاً.

اذ ان ما كشفه سلامه وكذلك القوى السياسية الاخرى، وان في شكل مضمر، اظهر ان حاكم المصرف لم يتخذ قراراً منفرداً بمعزل عن اركان الطبقة السياسية بعدما شارك في اجتماع للمجلس الاعلى للدفاع حيث ابلغ الجميع بالقرار.

سارع باسيل الى رفع سقف الحملة على سلامه على نحو فوري من خلال محاولة توظيف القرار غير الشعبي بامتياز من اجل تسجيل نقاط يستطيع من خلالها اطاحة حاكم المركزي في ظل سعيه منذ بضع سنوات الى تغييره واستبداله بشخصية موالية له تستكمل وضع اليد من جانبه على كل المراكز المسيحية في البلد كما يستطيع من خلالها تعويم نفسه في اتجاهين : الاول شعبياً عبر اظهار معارضته للقرار الذي كان وافق عليه رئيس الجمهورية اثناء ترؤسه المجلس الاعلى للدفاع، فعمد باسيل، وكما في كل مرة في خلال الاشهر الطويلة المتصلة بتأليف الحكومة، الى نسف موافقات اعطاها عون على صيغ حكومية لكي يفاجىء رئيس الحكومة لدى وصوله الى منزله باتصال هاتفي ينسف هذه الموافقات.

والاتجاه الثاني في اتجاه سعي باسيل الى نيل حظوة اضافية لدى النظام السوري باعتبار ان قرار رفع الدعم عن المحروقات يطيح عمليات التهريب القائمة بقوة من جهات حليفة على خط امداد النظام السوري بما يحتاجه اليه من محروقات حتى ولو على حساب اموال المودعين اللبنانيين والتي تشكل مجمل ما يتبقى من الاحتياطي الالزامي لدى مصرف لبنان. فالنظام السوري الذي تم تأمين اعادة انتخابه لولاية جديدة من سبع سنوات يشكل ركناً من اركان المحور الذي بات يعوّل عليه فريق رئيس الجمهورية من اجل ابقاء رئاسة الجمهورية في عهدته وتأمين انتخاب باسيل للرئاسة بعد انتهاء ولاية عون.

اختصر حاكم مصرف لبنان المعادلة السياسية بقول تدعمه جميع القوى السياسية بقوله في حديث صحافي انه حاكم المصرف المركزي في حين ان باسيل هو حاكم البلد . وهذه المسرحية بدت محاولة من باسيل من اجل تحقيق مكسب مهم بإطاحة سلامه بعدما تمكن بعد تسعة اشهر من تعطيل تأليف الحكومة منذ ما بعد انفجار المرفأ في 4 آب 2020 من اطاحة تكليف الرئيس سعد الحريري. اذ انتشى رئيس الجمهورية وفريقه بهذا الانتصار ما سمح له برفع سقفه في محاولة لتحقيق انتصار اخر خصوصاً ان التسريبات الاعلامية المرافقة لمساعي تأليف حكومة برئاسة نجيب ميقاتي حفلت بكلام عن شروط مسبقة تتصل بضرورة موافقة ميقاتي على اقالة سلامه واستبداله كشرط من شروط عدم عرقلة الحكومة.

وليس بعيداً من هذه الاعتبارات ، عوامل اخرى تفاعل كشفها من خلال شراكة قوية لباسيل في كارتيلات النفط المتحكمة بالبلد كما كشفت مصادر عراقية عن افشال وزير الطاقة المحسوب على هذا الاخير اتفاقية تمويل العراق بالفيول لتسيير معامل الكهرباء نتيجة سعيه الى صفقات معيّنة وتلكؤه عن اجراء المناقصات المطلوبة لذلك.
المسرحية المأسوية التي تم تنفيذها تفاعلت على نحو خطير جداً على مستوى منع توزيع المحروقات، ما ادى الى ازمة خانقة تجلّت في اطفاء المولّدات التي تغذي كل القطاعات الحيوية كما الاحياء والى نفاذ المحروقات من المحطات، ما ادى الى صراعات بين الناس وصولاً الى انفجار خزانات البنزين ما تسبب في مجازر كما في بلدة التليل في عكار.
تصدت القوى السياسية على نحو غير مباشر لمساعي عون وفريقه من دون ان تحسم نتيجة الكباش الحاد. اذ لم يوافق رئيس حكومة تصريف الاعمال حسان دياب، وعلى رغم عدائه الكبير لحاكم مصرف لبنان وحملاته عليه وكيل الاتهامات له، على انعقاد جلسة دعا اليها عون بتحريض من باسيل وفق تغريدات سابقة للاخير بدا ان هدفها وضع اقالة سلامه على الطاولة من اجل ان يفرضها امراً واقعاً على جدول اولى جلسات الحكومة العتيدة لأن حكومة تصريف الاعمال لا تستطيع ان تتخذ قراراً مماثلاً.

بدت القوى السياسية التي تقف وراء منع دياب من التجاوب مع دعوة عون مصممة على المواجهة غير المباشرة لأن التضحية بسلامه الذي شكل كاسحة الغام امام القوى السياسية التي لا ترغب في اتخاذ القرار برفع الدعم قبل الانتخابات النيابية سيجعل عون اشد شراسة في الحصول على ما يريد في سعيه الى ضمان ايصال صهره الى رئاسة الجمهورية. ومع ان ” حزب الله” بادر الى ادانة قرار سلامه برفع الدعم ووزع كلاماً لنائب امينه العام الشيخ نعيم قاسم يتحدث فيه عن وجوب اتخاذ الحكومة المقبلة قراراً بمحاسبة الحاكم، فإن احداً لم يجار سعي باسيل الى تحريك الشارع ضد سلامه فتظاهر بضع مئات من المناصرين العونيين امام منزل سلامه في الرابية ثم في الصفرا ولكن المجموعات اليسارية التي تدور في فلك الحزب والتي كانت حولت انتفاضة 17 تشرين الاول 2019 الى حملات متواصلة ضد حاكم المصرف المركزي وقامت بمحاولات عديدة لاقتحام المقر الرئيس للمصرف في منطقة الحمرا لم تحرك ساكناً وخيّبت آمال باسيل في تجريد حملة واسعة النطاق ضد سلامه.
الاشكالية الكبيرة ان باسيل يحاول ان يلوي اذرعة الجميع من خلال وضع رئاسة الجمهورية في الواجهة ما يحتم تالياً عدم تراجعها امام احد او خسارتها هذه المعركة تماماً كما جرى في حادثة قبرشمون قبل ثلاث سنوات، علماً ان عون تراجع انذاك ولكن تداعياتها لا تزال قائمة حتى الان.

فما يجري يتصل في شكل اساسي بمعركة انتخابات رئاسة الجمهورية في الدرجة الاولى في ظل استباحة كل شيء واستخدام كل الوسائل لكسب هذه المعركة في ظل تنحي واضح لكل القوى المسيحية الساعية بدورها الى كسب هذه المعركة كل من جهتها، عن اتخاذ مواقف واضحة وجريئة مما يجري.

وكما في 1989 و1990 حين ادت معركة الجنرال ميشال عون الى حربين من اجل محاولة الوصول الى رئاسة الجمهورية، فإن المعركة الرئاسية راهناً تمر عبر تدمير لبنان ككل في ظل وضع كارثي باتت عليه كل القطاعات الحيوية التي شكلت على مدى عقود وجه لبنان الحضاري اكان صحياً او اكاديمياً وتربوياً او سياحياً فيما باتت هجرة شبانه استنزافا له اكثر من اي وقت مضى .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات