Search
728 x 90

المجتمع الدولي يخشى استنزافه ورقة العقوبات

المجتمع الدولي يخشى استنزافه ورقة العقوبات

فرض العقوبات سيف ذو حدّين، وورقة لا يمكن استعمالها سوى مرة واحدة فيما لبنان يواجه استحقاقات جوهرية في مسيرته الوطنية، ابرزها الانتخابات النيابية والرئاسية المقبلة التي قد يجري تعطيلها لأكثر من سبب.

اذا فرضت المجموعة الدولية ولا سيما فرنسا ودول الاتحاد الاوروبي عقوبات على مسؤولين لبنانيين نتيجة عرقلتهم تأليف حكومة لبنانية جديدة توقف الانهيار المتسارع ، فإنها تخشى ان تستنفذ ورقة لا تستطيع استخدامها سوى مرة واحدة في حين ان هؤلاء المسؤولين الذين يستقتلون في الدفاع عن مواقعهم ومصالحهم قد لا يأبهون للعقوبات كما فعل رئيس التيار العوني جبران باسيل على اثر العقوبات التي فرضتها الخزانة الاميركية عليه بسبب الفساد وفقاً لقانون ماغنتسكي. فتشدد اكثر في التعاطي بمرونة مع استحقاق تأليف الحكومة ما دام طريق الرئاسة الاولى قد تم الالتفاف عليه بسبب هذه العقوبات.

لا بل تخشى فرنسا التي خسرت اوراقاً كثيرة في دول المنطقة بعد ثورات الربيع العربي التي فشلت، من ان تفقد دور الرافعة الذي يمكن ان تلعبه في لبنان اذا فرضت عقوبات على المسؤولين اللبنانيين من دون ان تحقق الهدف الذي من اجله هددت اخيراً بفرض هذه العقوبات.

وعلى رغم الشعبية التي يمكن ان يتمتع بها قرار فرض العقوبات في لبنان على مسؤولين يعتبرهم اللبنانيون وراء الانهيار الذي يعيشونه، فإن الواقع ان المسألة ابعد من مكسب ربما لن يقدم الكثير بالنسبة الى دولة كفرنسا لا تبحث عن اعذار للتخلي عن لبنان بل لا تريد التخلي عنه، ويهمّها ان تملك دوماً القدرة على التأثير فيه ولا تخسر تأثيرها وامتداها فيه على رغم ان هيبة فرنسا اصيبت في العمق من خلال الاستهانة الفاقعة لمسؤولين لبنانيين بالجهود التي بذلها رئيس فرنسا امانويل ماكرون بالذات واضعاً صدقيته في الخارج على المحك.

ولذلك اتخذت المناقشات حول العقوبات طابعاً صعباً في ظل تقليب لمختلف الاحتمالات وفقا للمعلومات التي توافرت لموقع beirutinsights  على خلفية سؤالين اساسيين :

كيف ستؤثر العقوبات على ما يريد المجتمع الدولي من المسؤولين القيام به، بمعنى هل سيضغط ذلك عليهم فيبادرون الى تسهيل تأليف الحكومة بدلاً من عرقلتها ؟

وهل ان هذا الامر يمكن ان يعطي المجتمع الدولي ورقة مهمة للتفاوض عليها بحيث تستخدمها للحصول على تسهيل ولادة الحكومة من دون فرض العقوبات فعلا؟

وثمة اسئلة تضيفها مصادر ديبلوماسية اوروبية معنية تتصل بما اذا كان استخدام العقوبات يمكن ان يتيح اعادة استخدامها في استحقاقات مهمة اخرى او انها سيتم استنفادها في الموضوع الحكومي فحسب. فهناك على الطريق استحقاقات اخرى لا تقل اهمية وتصل اولا بالانتخابات النيابية في ايار 2022 ومن ثم الانتخابات الرئاسية في خريف السنة نفسها.

والتعطيل الذي يمارسه مسؤولون راهناً يتصل بهذين الاستحقاقين على خلفية ان تهديداً قوياً تشعر به بعض القوى نتيجة الانتفاضة التي نشأت في 17 تشرين الاول 2019 . ومع ان هذه الانتفاضة لم تؤد الى هدفها بإطاحة جميع المسؤولين والذهاب الى انتخابات مبكرة تأتي بسواهم الى السلطة، فإن عروش القوى السياسية قد اهتزت وهي دفعت في اتجاه المزيد من اللامبالاة بما يحصل من انهيار كسبيل لاسكات الناس واشغالهم كما تفعل الدول الدكتاتورية بالسعي الى لقمة العيش وتأمين المحروقات وما الى ذلك بعيداً من هموم السياسة والمطالبة بالحقوق المشروعة للبنانيين بعيداً من سيطرة الاحزاب والقوى المتجذرة طوائفياً وسياسياً وشعبوياً لدى قواعدها .

وهناك الانتخابات الرئاسية التي يدور قسم كبير من المأزق المتصل بالحكومة حولها في ظل سعي رئيس الجمهورية العماد ميشال عون الى محاولة توريث صهره باسيل الرئاسة الاولى واستخدام التعطيل من اجل الحصول على موافقة الافرقاء السياسيين على ذلك تماماً كما استخدم تعطيل الانتخابات الرئاسية وملء الشغور الرئاسي لمدة عامين ونصف في العام 2014 حتى انتخاب عون للرئاسة الاولى.

وهذا ليس تفصيلا في المسار السياسي منذ ما بعد خروج القوات العسكرية السورية من لبنان في العام 2005 حيث اصبح تعطيل تأليف الحكومات وتعطيل الاستحقاقات سبيلاً وحيداً لفرض اتجاه سياسي نجح الى حد بعيد في ابتزاز القوى السياسية تحت وطأة الخوف من الوصول الى انهيار اقتصادي. ولكن الوصول اخيراً الى الانهيار اتاح بعض الهامش من اجل عدم الخضوع لهذا المنطق ، لكنه يبقى فاعلاً لان المجتمع الدولي غالباً ما يتدخل ويفرض تنازلات تصب في النهاية في مصلحة المعطلين او في جزء كبير منها في ظل رفعهم للسقوف واضطرار الاخرين للقبول بها خشية المزيد من الانهيار والتفكك.
وهذان الاستحقاقان لا يقلان اهمية عن موضوع تأليف الحكومة ولا يمكن هدر العقوبات على هذا الاخير في حين بدأت مؤشرات احتمال تأجيل الانتخابات النيابية التي تخشاها القوى التي ضعفت شعبيتها خشية احتمال افتقدها الاكثرية التي تسمح لها بالسيطرة على مجلس النواب راهناً ، وذلك تحت وطأة اعتبارين مهمين: احدهما عدم وجود الاموال الكافية التي قد تسمح بإجراء الانتخابات . والاخر هو الحال بعد جائحة كورونا وهل يكون قد تخلص منها ام لا، بدليل ان الاعتبارين المذكورين يرفعان في وجه المطالبة بإجراء انتخابات نيابية فرعية من خلال استقالة مجموعة من النواب ووفاة اثنين منهم.

ومن شأن تأجيل الانتخابات النيابية التأثير ايضاً على الانتخابات الرئاسية فيتم تاجيلها بذريعة ان عون لم يتمكن من عهده بسبب التعطيل الذي رافق تأليف الحكومات علما ًانه يتحمل المسؤولية المباشرة عن ذلك . ولكن الذريعة الاخرى تكمن في انه قد يتعذر ايصال صهره للرئاسة فيرفض المغادرة من اجل تحقيق ذلك. وهذان امران باتا على الطاولة راهناً ولو ان موضوع الحكومة وحده في الواجهة. فعلى اي استحقاق يجب ان يركز الخارج علما ان التعطيل الذي يرافق تأليفها سيلحق بعملها متى تألفت للاعتبارات نفسها .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات