Search
728 x 90

اللُّقاح الأسود… وترياق السِّيادة!

اللُّقاح الأسود… وترياق السِّيادة!

لَم تكتفِ المنظومة السياسيّة في لبنان بانتهاك كرامة اللبنانيّات واللبنانيّين، ومصادرة مقدّراتهم، وسرقة أحلامهم، ورَهن مستقبلهم، وتدمير هويّة وطنهم بمعناها ورسوليّتها، بل هي أضافت إلى هذا، مرفوداً باغتيال السيادة، أضافت احتراف التفرُّج عليهم يموتون أو يهاجرون دون أن يرِفَّ لها جَفنٌ، إذ صمَّمت على عدم اعتماد أيّ سياسة عامّة وقائيّة أو مواكبة متكامِلة على المستويات الاستشفائيّة، والاقتصاديّة، والاجتماعيّة، في مواجهة جائحة كورونا.

زياد الصَّائغ

خبير في السياسات العامة

اللبنانيّات واللبنانيّون مسؤولون حتماً عن انزلاقات التفلُّت من الضوابط الواجب أن يتّبعوها في الأساس، لكن هي المنظومة السياسيّة التي أثبتت أنّ ما اعتمدته لم يكُن سوى وليد الارتجال، والشعبويّة، والسياسويّة، وحتى كثافةٍ من الدِّيماغوجيا في هذا السياق.

منظومة اللّامعايير العِلميّة، والتسوُّل الاستنزافيّ، والسَّطو المُمَنهج، والاستعراض الخطابيّ، فرضت على اللبنانيّات واللبنانيّين واقِعاً انتحاريّاً في كلّ مراحل تفشّي فيروس كورونا، دون أن تتلفَّت إلى مستلزمات التجهيز الاستشفائيّ والعلاجيّ، ناهيك بإلحاح التّكامل الاقتصادي – الاجتماعي، من ضمن الإمكانات المتاحة، في توفير جرعاتٍ متَّزنة من إمكانيّة الاستدامة في تأمين لقمة العَيش التي باتَت مثخنة بالوجع وانعدام الأفق. اللّامعايير العلميّة، ربطاً بتفَوّق اللّامهنيّة أكّدا أنَّ التخصّص والاستقلاليّة بما هي مطالِب ثورة 17 تشرين في تشخيص رجالات المرحلة المنشودة للتغيير ، يجب أن يُضاف إليهما سِمة الاحتراف المهني، وإلّا سنكون أمام خيباتٍ بنيويّة في أيِّ مرحلةٍ مقبلة، قد يُقدَّر فيها لمتخصّصين مستقلّين استلام الحُكم. وهذا يستدعي انكباباً على بلورة الوحدة في الرؤية والقيادة والبرنامج من ضمن ائتلافٍ مدنيّ وطنيّ معارِض إنقاذي، لكن تغييريّ بالأَولى. ديناميّة التغيير مفصليّة في الذهنيّة والمنهجيّة، من باب استعادة التخطيط والتقييم في صميم التزام الشأن العام تثميراً للخير العام.

أمّا بعد، وقد بلغنا ما بلغناه طوعاً أو قسراً ما هَمّ، فإنَّ الهاجِس العميق في هذه المرحلة يتبدّى في كيف ستتعاطى المنظومة السّياسيّة مع مسار استقدام اللُّقاح، وخارطة طريق توزيعه، وفي هذا ، بالإشارة إلى اللّاوضوح، علامات استفهامٍ كثيرة، فيَسودني في هذا قرفٌ من طرحها. اللُّقاح الذي نترقّبه ينجلي في سوادٍ عظيم، ولن يتكشَّف بعض بياضه سوى بترسُّخ انهيار هذا المنظومة، واستنباط بديلٍ متماسك يعيد تكوين الشخصيّة اللبنانيّة ويُعمِّق التفكير في أهميّة الصيغة اللبنانيّة، أيّ الدولة المدنيّة بمواطنة حاضنة للتنوّع، وحَوكَمَةٍ شفّافة.

المعركة التي نحن فيها، ومن واجِب الانتلجنسيا التفكّر فيها بالمسبِّبات لا بالعوارض، هي أبعد من مواجهة فسادٍ مقَوننٍ أو دُويلةٍ مسلّحة ومنظّمة أقوى من الدولة، بما يعني أنّها مواجهة سلميّة لاعُنفيّة حول أيّ لبنان نريد، ولأيّ مواطنٍ لبنانيّ؟

معضُلة الهويّة اللبنانيّة تحتاج أكثر من ترياقِ سيادة، ولو أنّ هذا الترياق سيُطلِق مسيرة الألف ميل، ومن غير الممكن التلكّؤ أو التأخّر في تجرُّعه بجُرأةٍ ودون مساومة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات