Search
728 x 90

العودة الى منزل الوطنية اللبنانية: المدخل من الطائفة السنّية

العودة الى منزل الوطنية اللبنانية: المدخل من الطائفة السنّية

يعتقد البعض في لبنان بأن وضع القيادة السنية في البلاد محفوف بالمخاطر، مما قد يؤدي بالطائفة إلى الفوضى والاضطراب. هم يوازنون ذلك بالخروج المعلن لرئيس الوزراء السابق سعد الحريري من الحياة العامة وبالفراغ في “الزعامة السنية التقليدية”. وبينما يزعمون أن لا أحد بين الشخصيات المعروفة داخل المجتمع السني وأولئك الناشئين يرتقي إلى المستوى الزعاماتية، يشيرون إلى استطلاعات الرأي، التي وجدت اخيراً أن لا أحد لديه درجات تفضيل أعلى من 3% ، الا سعد الحريري بنسبة ضئيلة تبلغ 18%.

أسئلة عدة تفرض نفسها. أولاً: ماذا تعني حقا عبارة “الزعامة السنية التقليدية”ً؟

والجواب انه ربما نحتاج إلى إلقاء نظرة سريعة على تاريخ الشخصيات الرئيسية في البيئة السنية ما بعد الاستقلال. ومن المثير للاهتمام، أن ما نجده هو أن المجتمع السنّي ليس لديه الكثير من شخصيات “الزعيم التقليدي” الثابت مثل الطوائف الأخرى. على سبيل المثال ، في الفترة نفسها التي كان لدى الموارنة 12 رئيساً للجمهورية ، وللشيعة 7 رؤساء مجلس، كان للسنّة 26 رئيساً للوزراء، 18 منهم من عائلات مختلفة تماماً، معظمهم خرجوا من السياسة تماماً. وحتى العائلات التي كان لديها أكثر من شخصية سياسية بارزة، مثل عائلات الصلح وكرامي ، بالكاد استمرت لأكثر من جيل. يمكن القول إن رفيق الحريري حاول ان يرسي قاعدة زعاماتية، لكن منذ اغتياله، تبدد الكثير من تلك القيادة. وعلق ابنه العمل السياسي اخيراً. وابنه الآخر، الطامح إلى دور قيادي يظهر في استطلاع الرأي بتأييد لا تصل نسبته الى 2%. كل هذا يدل الى افتقار السلالات السياسية في المجتمع السنّي ويقلل الأهمية الوجودية لـفكرة “الزعيم السني التقليدي”.
اذا حاولنا فهم اسباب عدم وجود “الزعيم” داخل المجتمع السنّي كما هي الحال بالنسبة الى الطائفتين الدرزية أو الشيعية، نرى من بينها مراكز القوة المتنوعة نسبياً للمجتمع بين المدن الساحلية في طرابلس وبيروت وصيدا. من ناحية اخرى شكّلت وفرة العائلات المتعلمة ومن الخلفيات التجارية والمصرفية أرضاً خصبة للقادة السنة في تناقض مع الخلفيات الإقطاعية في بعض المجتمعات اللبنانية في الجبل والمناطق الريفية. يرتبط هذا حقيقة بانعدام الخوف الوجودي كما في المجتمعات اللبنانية الأخرى، بسبب الامتداد السنّي العربي والعثماني قبله. قد يكون أدى كل هذا بشكل أساسي إلى إلغاء الحاجة إلى فكرة “الزعيم السنّي التقليدي”، واستبدالها بالتغيير الدائم. تاريخ السنّة الحديث في لبنان يبرهن ان لا يمكن لعائلة أو شخصية واحدة أن تدعّي حقاً الهيمنة على المجتمع السني.
وهكذا ، عندما يحذر البعض من غياب “الزعامة السنية التقليدية” كتهديد وجودي للمجتمع ، فإنهم في الواقع يبتعدون عن التاريخ الأكثر تنوعًا سياسيًا في لبنان والذي سمح لزعمائه بتنفيذ أجندة وطنية ، أولاً في إنشاء الدولة، ثم في تطويرها، وفي النهاية في محاولة الحفاظ عليها. فهل هذا “التشتت الزعاماتي” عند السنّة يمكن اعتباره مصدر قوة او ضعف باعتبار انه طيلة الوقت، استمر المجتمع السنّي اللبناني في المضي قدماً من دون الحاجة إلى إنشاء أحزاب أيديولوجية، أو حمل السلاح، أو القتال أثناء الحرب الأهلية، أو القيام بالتطهير الطائفي في أي من مناطقهم؟
والان وفي الوقت الذي نجد فيه لبنان في حال تغيير جذرية وبدأت نماذج الزعامات التقليدية في الانهيار، هل هناك ما يبرر الرجوع في الزمن للبحث عن “زعامة سنيّة تقليدية”؟ أم هل نصر مجدداً على تقديم نهج وطني أكثر تنوعاً، يستفيد من الموارد المثقفة داخل البيئة ووضعها تحت تصرف بلدنا بأكمله بحيث تنقله من دولة طائفية فاشلة إلى دولة توحّد جميع المواطنين وتعطيهم حقوقًا وامتيازات متساوية بغض النظر عن كل اعتبار طائفي.

ولذلك قد يجد القادة الناشئون في المجتمع السنّي أنفسهم أمام فرصة تاريخية لتغيير الخطاب من الطائفي إلى الوطني، ليكونوا مثالاً لجميع الطوائف الأخرى. ما يعنيه هذا أيضاً هو أن ما يحتاج اليه لبنان حالياً أكثر بكثير من الحاجة إلى “زعيم سني تقليدي” هو توجيهه نحو نهج الوطنية والمواطنة وحقوق المواطن.
هل ستمنح البيئة السنية هذه الفرصة لقادتها الناشئين؟
سؤال قد يعتمد مستقبل لبنان على الجواب عليه. فالعودة الى منزل الوطنية اللبنانية قد يكون من مدخل الطائفة السنية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات