Search
728 x 90

الشوائب التي فاقمت الشكوك حول مصير المبادرة الفرنسية

الشوائب التي فاقمت الشكوك حول مصير المبادرة الفرنسية

لا تشبه المبادرة الفرنسية التي اطلقها الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون من قصر الصنوبر عقب انفجار مرفأ بيروت في آب من العام الماضي الكثير من المبادرات الغربية والعربية التي عرف لبنان عشرات منها بعد اندلاع الحرب فيه في العام 1975 وصولاً الى اتفاق الطائف وبعد اتفاق الدوحة وما بينها من وساطات مثل مؤتمر سان كلو في فرنسا لأطراف النزاع من معسكري 14 آذار و8 آذار آنذاك.

هذه المبادرة صارعت طوال ثمانية اشهر حتى الآن من دون جدوى سعياً الى هدف أساسي هو تشكيل حكومة اختصاصيين ومستقلين من شأنها استقطاب ثقة المجتمع الدولي لتمويل بعض القطاعات الأشد حيوية في لبنان في عصر انهياره الدراماتيكي وعلى أساس انطلاق عملية إصلاحية جذرية .

كان المؤمل فرنسياً منذ اطلاق المبادرة ان يشكل الانهيار المالي والاقتصادي والاجتماعي المخيف الذي اطبق على لبنان وحده العامل الدافع لجعل المبادرة تنجح وتستولد ظروفاً تغييرية في لبنان برعاية فرنسا في وقت انشغال العالم كله بأولوية مواجهة جائحة كورونا والاضطراب الاقتصادي العالمي الذي احدثته . لكن ما يؤخذ على الرئيس ماكرون وفريق خلية الازمة من المستشارين الرئاسيين في الاليزيه الذين شكلوا الإدارة السياسية لمبادرة ماكرون، انهم ارتكبوا هم أيضاً أخطاء غير بسيطة ابداً في الاستراتيجيات التكتية لتسويق وإنجاح المبادرة ساهمت في استشراس الطبقة السياسية وعدم تراجعها امام تعاظم الانهيار، وتالياً ظهور الدور الفرنسي في لبنان مع ماكرون بمظهر المتراجع وغير المؤثر بدرجات حاسمة لحسم الازمة.

قد يكون في هذه الخلاصة تكبير او تضخيم للأخطاء الفرنسية ولكن ذلك لا يحجب واقعاً مفاده ان اعتماد وزير الخارجية الفرنسية جان ايف لودريان ميزان المساواة بين جميع الافرقاء السياسيين التقليديين في لبنان واتهامهم جميعاً بالجملة وبالتعميم المطلق بعدم التزام تسهيل الحل وتشكيل الحكومة الجديدة، أدى الى زيادة تعقيد الازمة من جهة واستحداث مزيد من الصعوبات امام التحرك الفرنسي من جهة أخرى .

احدث لودريان غضباً مكتوماً لدى اكثر حلفاء فرنسا في لبنان التصاقاً بدورها من مثل الحزب التقدمي الاشتراكي وتيار المستقبل وحزب القوات اللبنانية وبالأخص وتحديداً بكركي نفسها حين تجاهل لودريان هذه المواقع كلها ليظهر مساواة تعتبر ظالمة وغير عادلة بين الجميع . فهذه القوى والأحزاب كما بكركي كانت الداعم الأقوى للمبادرة الفرنسية منذ انطلاقها، واذا كانت باريس تريد اظهار فعالية دورها، فلم يتحقق ذلك بنجاح من خلال برنامج اللقاءات الذي اعتمده لودريان في زيارته الأخيرة لبيروت التي يخشى ان تكون أدت واقعياً الى تهميش المبادرة الفرنسية اكثر منها الى تعزيزها، علماً ان رأياً سائداً على نطاق واسع يذهب الى الاعتبار ان المبادرة قد انتهت واقعياً . ذلك ان رفع سلاح العقوبات على شخصيات متورطة في تعطيل تشكيل الحكومة كما متورطة في الفساد يجد الكثير من اللبنانيين ممن يؤيدونه ويرحبون به ولكن الغموض لا يزال يحوط هذا المسلك الجديد في انتظار انكشاف او تسريب أسماء الذي ستطاولهم إجراءات التقييد بمنعهم من دخول الأراضي الفرنسية او تجميد حساباتهم المصرفية في فرنسا . ومع ذلك فإن تصفيق اللبنانيين للوزير لودريان وهو يسدد الاتهامات القاسية ومرات المهينة للطبقة السياسية، لم يحجب انتقادات قاسية وجهت اليه حول عدم تسويغ معاملته لرئيس الحكومة المكلف سعد الحريري بما يليق في الاطار البروتوكولي اذ لم يزره في بيت الوسط بل في قصر الصنوبر اسوة بسياسيين وممثلين لاحزاب وجماعات من نشطاء الانتفاضة اللبنانية، وكأنه تعمد توجيه رسالة سلبية للحريري كما لسائر السياسيين الاخرين . يضاف الى ذلك ان رفض جماعات يسارية من الانتفاضة المشاركة في لقاء لودريان مع عدد من ممثلي هذه الجماعات بحجة رفض التدخل الخارجي في الشؤون الداخلية ساهم في تشويش جزء من المشهد فيما ساهم في تشويش الجزء الأكبر الآخر اختيار عدد من النواب المستقيلين ورؤساء أحزاب تقليدية تحت عنوان “القوى التغييرية البديلة”، الامر الذي اثار انتقادات واسعة بل واتهامات باعتماد سياسة التمييز غير الموضوعية .
هذه الشوائب لا تحتسب فقط في الاطار التكتي والشكلي بل انسحبت على المدى الجوهري الذي باتت تطرح معه أسئلة محقة جداً عما تراها ستفعل فرنسا ماكرون اذا لم تجد أيضاً إجراءات العقوبات في أي تغيير في لبنان ؟ وهل لذلك بادر لودريان في زيارته الى تسخين مفاجئ ومبكر لمسار الاستعدادات للانتخابات النيابية المقبلة التي يفترض ان تجري بعد سنة تماماً كأنه أراد احداث مسار جديد يعوّض فشل المبادرة الأم ؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات