Search
728 x 90

السَّواد وتفكّكهم… القضم والتّغيير عندنا!

السَّواد وتفكّكهم… القضم والتّغيير عندنا!

سواد ما نعيش في لبنان يبعَث على الرّيبة من المقبِل إلينا، ويستثير ربما عند البعض اليأس. لا إمكان لإقناع المرتابين واليائسين بأنَّ تكاملاً ما يقوم بين فظاعة الرّاهن وصيرورة التاريخيّ الواعِد.

زياد الصَّائغ

خبير في السياسات العامة

نومهم واستفاقتهم على مطالعاتٍ من هنا، ومُرافعاتٍ من هناك، يرفدُهما انهياراتٌ قاسية يحتمِلان الإصغاء، والتقبّل، والاستمرار بالعمل الجدّي. هُم محقّون في هواجسهم، وأولئك الذين صمّموا على ترسيخ مقوّمات التغيير محقّون أيضاً. المواءَمة هنا ليست بين أفضليّات، بل بين تواصل في صيرورة اقتلاعٍ حتميّ لِمن يدمِّر الشعب اللبنانيّ بدمٍ بارد. بهذا المعنى يتأكّد أنَّ مأزوميّة المنظومة، كلّ المنظومة، تتفاقم. أمّا الحديث عن ضبطٍ لهذه المأزوميّة وانضباط، فرَغم ظاهر هاتَين السِّمَتَين، يبقى الحديث عنهما على الكثير من الهشاشة.
في أيّ حال، لا المُراكمَة وحدها تكفي. والمُراكمة نعنيها في إعادة تكوين الشخصيّة اللبنانيّة والصّيغة اللبنانيّة. ولا القضم المرحليّ يكفي. العمل المتوازي وحده سيُنتِج الانتقال الراديكالي. هُنا التكامل بين ديناميّة القوى المجتمعيّة الحيّة من مقيمين ودياسبورا، وتلك الديناميّة العربيّة – الدوليّة بِنفَسٍ فاتيكانيّ.
لبنان دولة عُلِّق الدستور فيها، وعُطِّلت المؤسّسات، واستُبيح في كلّ مفاصلها إمكان انتظام التّداول الديموقراطي والسِّلميّ للحُكم.هنا يتثبّت اختلال موازين القِوى في أيّ عمليّة انتخابيّة حاضرة أو مقبِلة، على كلّ المستويات، وليس من حاجة للدّخول في تقنيّات هذه العمليّة. الحاجة تكمن في فَهم أنَّ ثمّة من سيُفخِّخ الانتخابات النيابيّة بنتائجها إن جرَت، ومن سيُفخِّخ تداعياتها إن لَم تجرِ، ويجب الاستعداد بمقاومة مدنيّة سلميّة لمواجهة هذين السيناريوهين الشيطانيّيَن.
أمّا تصويب موازين القِوى باتجاه حدٍّ أدنى من التوازن، فيقتضي توضيح مفهومَين، أوّلهما هل نحن في مواجهة لإعادة تكوين السُلطة أم لتحرير هذه من محتلّيها عقائديّاً، وزبائنيّاً، وعسكريتاريّاً؟
بين إعادة التكوين والتحرير فوارق بنيويّة في الآليّات. وثانيهما هل نحن في معركة للاستيلاء على السُلطة أو إعادة تكوين مفهوم الحُكم في الرؤية والقيادة والبرنامج، خدمةً للخير العام، وسلام المجتمع العام في العيش الواحِد؟
أُمّ المعارك في وجه المنظومة هي تصويب المفاهيم والمسارات. والانتخابات نتيجة وليست هدفاً.
لذلك، وبعد الاعتراف باختلال موازين القِوى، ومحاولة إنجاز حدّ أدنى من التوازن في مواجهة ما تملكه المنظومة من مقوّمات غير شرعيّة بغطاءٍ شرعيّ، لا بُدَّ من أن نضع في سُلّم الأولويّات فكّ العقدة الزبائنيّة والاستنفاريّة الجماعاتيّة لدى المقترعات والمقترعين (طائفة / مذهب/ عائلة…)، وخَلق ذهنيّة لحظة تاريخيّة لبناء دولة أكثر مِنه مواقع نفوذ. مواجهة الذهنيّة الاقتراعيّة الموبوءة، هي الأساس بالتّوازي مع ما يقتضي من إصلاحات قانونيّة وإداريّة في المساحة الانتخابيّة. ضرب الحالة المركنتيليّة مُهِمّة نبيلة ومُلِحّة.
ويأتي بعد ما سبق إصرارٌ على رقابة محليّة،وإقليميّة،ودوليّة على العمليّة الانتخابيّة بعيداً عن الاستعراضات الرّقابيّة الظرفيّة، وليس على شاكلة فِرَق محدّدة في المجتمع المدني، بل من خلال تحفيز القِوى المجتمعيّة الحيّة المؤطّرة (النقابيّة / الطُلّابيّة / الاقتصاديّة / الإعلاميّة / المتقاعدون عسكراً وقضاة وأساتذة جامعيّين،ومدرّسات ومدرّسون) بفرض رقابة سابقة أخلاقيّة على المرشّحين والمقترعين. المعركة أخلاقيّة بالدرجة الأولى.
سيناريو إنجاز الانتخابات مُفخّخ، وسيناريو تطييرها مُفخَّخ. هنا تكمن أهميّة بناء بديل الظلّ تراكميّاً أيضاً. ففي الحالَين، أي الإنجاز أو الاجهاض المعركة تاريخيّة وطويلة المدى، والانتخابات فيها وقفة وليست مرمى.
المعركة طويلة حضاريّة بالدرجة الثانية بعد أخلاقيّتها. ومن يصبُر إلى المنتهى يُنشئ للأجيال القادمة وطن الرّسالة.

حمى الله لبنان والّلبنانيّين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات