Search
728 x 90

السودان: عود الى بدء

السودان: عود الى بدء

هل انتهى انقلاب السودان بإعادة الأمور الى سابق عهدها بعدما تمردت السلطة العسكرية على الاتفاق السابق بتقاسم الحكم مع السطة المدنية، ام ان الانقلاب “ليس سوى نصف النهائي، وعلينا الآن انتظار ما سيتمخض عنه النهائي”، كما قال أكثر من مراقب يتخوف من المواجهة بين أطماع الجنرالات المتحالفين مع قائد الجيش عبد الفتاح البرهان ونائبه قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو.
فما الذي يحدث في السودان، ولماذا هذا الاهتمام الدولي بثالث اكبر بلد افريقي في الاقليم؟

ماذا حصل؟
صبيحة الاثنين في 25 تشرين الأول 2021، نفذ قائد الجيش عبد الفتاح البرهان ومعاونوه انقلاباً عسكرياً اعتقل بموجبه اركان الحكومة المدنية في اعقاب تظاهرات كانت عمّت المدن الكبرى احتجاجاً على السياسة الاقتصادية.
ولم تمض ايام معدودة حتى توصل المنقلبون الى اتفاق مع المدنيين وعلى رأسهم رئيس الوزراء المعزول عبد الله حمدوك الذي كان في الاقامة الجبرية. فتم الاعلان عن اتفاق سياسي جديد بين قائد الجيش الفريق أول عبد الفتاح البرهان وحمدوك، تعهد فيه الطرفان بالعمل معاً لاستكمال المسار الديمقراطي، على أن تكون الوثيقة الدستورية المرجعية لاستكمال الفترة الانتقالية التي يشرف على تنفيذ مهامها مجلس السيادة من دون تدخل في العمل التنفيذي، اضافة الى التأكيد على الشراكة بين المدنيين والعسكريين.
كما اتفق الطرفان على ضرورة تعديل الوثيقة الدستورية بما يحقق مشاركة سياسية لكل المكونات، وعلى التحقيق في الأحداث التي جرت في التظاهرات ومحاكمة الجناة وإطلاق كل المعتقلين السياسيين، واستكمال المشاورات مع القوى السياسية باستثناء حزب المؤتمر الوطني وحزب الأمة اللذين رفضا اتفاقاً سياسياً لا يخاطب جذور الأزمة. كما اعتبرت “قوى الحرية والتغيير-المجلس المركزي” أنها غير معنية بالاتفاق.

ما الذي تغيّر؟
هل غيّر الانقلاب السوداني ملامح الفترة الانتقالية السياسية التي بدأت في 21 آب 2019 وتستمر 53 شهراً والتي تقضي بتقاسم السلطة بين العسكريين والمدنيين؟

يجمع اكثر من مطلع على خفايا السياسة السودانية في العقود الأخيرة ان الاتفاق السياسي الأخير هو نسخة مكررة عن الوثيقة الدستورية لعام 2019، بحيث حافظ الجيش السوداني – الممسك فعلياً بزمام الأمور – على مشاركته في السلطة الانتقالية كما يريد.
فالضغط الدولي هو السبب الوحيد الذي جعل عبد الفتاح البرهان يتراجع عن انقلابه، اذ ان الولايات المتحدة الاميركية المتخوفة من زعزعة الوضع السوداني بفعل الانقلاب، ضغطت على اسرائيل – الحليف الأقوى لبرهان الى جانب مصر – كي تضغط بدورها على المنقلبين. وهذا ما حصل فعلاً، اذ تراجع البرهان خطوة الى الوراء فقط خوفاً من العقوبات الاميركية.
ويذهب محللون آخرون الى ابعد من ذلك، قائلين ان البرهان نفّس احتقان الشارع المطالب بحكم مدني صرف وإبعاد العسكر عن السلطة، فحقق ما يريده بأن بقي مسيطراً على الساحة السودانية عبر اعادة حمدوك الى السلطة تحت إشراف مجلس السيادة، مع استبعاد قوى “إعلان الحرية والتغيير” عن توقيع الاتفاق، الذي أعاد المواد التي جمدها الجيش في الوثيقة الدستورية إلا تلك المذكور فيها “إعلان الحرية والتغيير”.
لكن يبدو ان تنفيس احتقان الشارع لن يجد طريقه الى التنفيذ، اذ ان مدناً سودانية عدة شهدت تظاهرات رافضة للإتفاق، نظراً الى ان المطلب الشعبي يقضي بإبعاد العسكر كلياً عن السلطة. وهؤلاء سيردون حتماً بمزيد من الاعتقالات وكبت الحريات والقمع.

من المستفيد؟
يرى اكثر من مراقب ان الانقلاب يفيد اولاً وبشكل كبير مصر التي تدعم الجنرالات الذي قاموا بالتمرد على الاتفاق القائم. فعبد الفتاح البرهان زار مصر قبيل اطاحته بالسلطة الانتقالية، مطلعاً رئيسها عبد الفتاح السيسي على ما يبدو على خططه، خصوصاً ان السودان جزء لا يتجزأ من القلق المصري حيال سد النهضة الاثيوبي وتأثيره على مياه النيل.
اما الولايات المتحدة فتعوّل على سودان ديمقراطي يعبر بنجاح المرحلة الانتقالية في توزيع السلطة فيه، خصوصاً انه يشكل جزءاً اساسياً في اعادة تمركزها في منطقة القرن الأفريقي المرتبطة بشكل وثيق بدول الخليج، بعدما فشلت في اعتبار اثيوبيا، المهتزة امنياً بفعل اقليم تيغراي، موطئ قدم لها. علماً ان الدور المصري في اثيوبيا لم يكن بريئاً ابداً عبر دعمه متمردي قوات الدفاع في تيغراي وحلفائهم في جيش تحرير أورومو.
وواشنطن سمحت للخرطوم باستعادة مكانتها في المجتمع الدولي بعد عقود من العزلة بفعل سياسات الرئيس السابق عمر البشير المتهم بمجازر دارفور والمحاكم في المحكمة الجنائية الدولية. فحصلت على وعد بمساعدة مالية من 700 مليون دولار، كما رفع اسم السودان عن القائمة الأميركية للدول الممولة للإرهاب، اثر توقيعه اتفاقات “أبراهام” القاضية بالتطبيع مع اسرائيل في كانون الثاني 2021.
وتعتبر واشنطن ان السودان ورقة رابحة في مواجهة التمددين الصيني والروسي في القرن الافريقي. وهي لا تألو جهداً لإعادة الإمساك بهذه الدولة الافريقية رغم الفشل الذي مني به المبعوث الأميركي الخاص للقرن الأفريقي جيفري فيلتمان الذي زار الخرطوم في نهاية الأسبوع التي سبقت مباشرة الانقلاب مطالباً بمتابعة الفترة الانتقالية بعدما افادت تقارير مخابراتية عدة بقرب حدوث الإنقلاب.
وهذا ما تلقّفته موسكو فوراً معتبرة ان الانقلاب اتى “نتيجة منطقية لسياسة فاشلة”، جعلت السودان مسرحاً “لتدخل خارجي واسع”. فهي تنفذ سياسة الامدادات العسكرية في الاقليم بغية كسب النفوذ. فوقعت اتفاقات تصدير عدة لمعدات عسكرية مع أنغولا ونيجيريا والسودان ومالي وبوركينا فاسو وغينيا الاستوائية، تشمل تسليم طائرات مقاتلة وطائرات هليكوبتر قتالية ونقل وصواريخ مضادة للدبابات ومحركات للطائرات المقاتلة.
كما تتسابق واشنطن وموسكو على بناء قواعد عسكرية في منطقة البحر الأحمر.
اما الصين فدخلت من باب تطوير البنى التحتية، والمساعدات المالية والقروض بهدف الوصول إلى المواد الخام.
ويجب عدم إغفال طموحات دول خليجية عدة الى جانب تركيا التي ستجد في انعدام الاستقرار السوداني فرصة مؤاتية لكسب جزء من النفوذ هناك.

ما الذي اوصل الوضع الى هنا؟
في التاريخ الحديث، قد تكون القصة بدأت مع الانتداب البريطاني الذي ارسى نظاماً غير متوازن في “السودان الكبير” (أكبر دولة مساحة في أفريقيا والعالم العربي قبل انفصال جنوب السودان) كما كان يسمى قبل ان يقسّم الى “سودانين”، جنوبي وشمالي العام 2011 (ثالث أكبر دولة مساحة حالياً في أفريقيا وفي العالم العربي). فهو ركّز التطور والبنى التحتية والمدارس والمؤسسات والنمو في المدن الكبرى تاركاً الأطراف والأرياف الى فقرها وجهلها وأميّتها. كما عامل شمال السودان المتعلم والمنظم بشكل افضل من الجنوب القبلي والبدائي.
حاول الانتداب البريطاني الجمع بين المنطقتين المتبعادتين دينياً وعرقياً واجتماعياً واقتصادياً وثقافياً في مؤتمر جوبا عام 1947 بهدف ضم شمال السودان وجنوبه إلى كيان سياسي واحد، الا ان المسعى فشل على الارض. فاندلعت الحرب الأهلية السودانية الأولى والثانية، وتخللهما منح بريطانيا السودان الحكم الذاتي العام 1953، وتم إعلان الاستقلال في 1 كانون الثاني 1956. وتعاقبت بعدها سلسلة من الحكومات والأنظمة العسكرية. فدخلت الشريعة الى القضاء تحت حكم جعفر النميري العام 1983، مما ادى الى تفاقم الاختلافات بين الشمال الإسلامي، حيث مقر الحكومة، والجنوب حيث الغالبية المسيحية وغيرها من الديانات الصغيرة ( جيش التحرير الشعبي السوداني ابرز فصيل عسكري).
وجاء حكم عمر البشير العام 1989 ليرسي ديكتاتورية عسكرية دامت 30 عاماً، وشهدت مجازر حرب دارفور العام 2003 ( بين 300 الف و400 ضحية). وتخلله التقسيم النهائي للسودان العام 2005 بعد اتفاق السلام الشامل في نيفاشا بين الحكومة السودانية وجيش التحرير الشعبي السوداني، اثر سنين من الحروب بينهما، واسفر عن استفتاء أجري في الجنوب في كانون الثاني 2011، حيث ادى التصويت بأغلبية ساحقة لصالح التقسيم، على ان يتم التفاوض بين الشمال والجنوب على القضايا العالقة… من دون ان يحصل ذلك، مما ادى الى توتر حاد بين الطرفين، بدأ بمناوشات على الحدود وتحوّل الى حرب مدمرة بين المنطقتين اللتين تعانيان اساساً من نزاعات قبلية تاريخية.
وسريعاً ما اندلعت احتجاجات أواخر العام 2018، مطالبة باستقالة البشير، مما أدّى إلى انقلاب ناجح في 11 نيسان 2019، اسفر عن إطاحة حكم البشير واتفاق بين مختلف المكونات السودانية على تقاسم الجيش السوداني السلطة مع مسؤولين من جماعات سياسية مدنية داخل مجلس السيادة الحاكم الذي كان من المقرر أن يقود البلاد لانتخابات بحلول نهاية 2023 ومطلع العام 2024.
وسرعان ما بدأت التوترات بين الجهتين مع تراشق التهم بسوء استعمال النفوذ، خصوصاً ان الاوضاع الاقتصادية المتدهورة اصلاً، والتي ادت الى سقوط عمر البشير، ازدادت سوءاً بفعل انخفاض قيمة العملة والنقص المتكرر للخبز والوقود، ناهيك عن اصلاحات قاسية وجذرية قامت بها الحكومة الانتقالية بإشراف صندوق النقد الدولي، مما ادى الى تخطي نسبة التضخم الـ 400%. وأثار ذلك موجة عارمة من التظاهرات ولا سيما من قبل المجلس الأعلى لنظارات البجا في إقليم الشرق المعترض على ما سمّاه “التهميش التنموي”، ما أدى الى إغلاق الموانئ الرئيسة للبلاد في ساحل البحر الأحمر، والطريق الرابط بين الخرطوم وبورتسودان منذ 17 أيلول الماضي. ولم يسهم وصول بعثة اممية الى مدينة بورتسودان في تهدئة الوضع، لا بل اعتبر الكثير من المعارضين ان الامر توطئة للتدخلات الخارجية.
المدنيون يتهمون العسكريين بأن غالبيتهم جزء من نظام عمر البشير السابق وكانوا يمثلون اللجنة الأمنية فيه خلال 30 عاماً، وبالتالي لن يتخلوا بسهولة عن نفوذهم السياسي والاقتصادي، بحيث انهم يتجاوزون الآن صلاحياتهم في ما يتعلق بالسياسة الخارجية ومفاوضات السلام. وهم يطالبون بالإشراف على إعادة هيكلة الجيش، ولا سيما دمج “قوات الدعم السريع” شبه العسكرية.
اما الجيش فاتهم المدنيين باحتكار السلطة وبمحاولة الانقلاب على الاتفاق المبرم. وقال انه احبط محاولة انقلاب قام بها متآمرون موالون لعمر البشير في ايلول 2021.
ومن ابرز نقاط الخلاف بين الفريقين التحقيق في مزاعم ارتكاب الجيش السوداني وحلفائه جرائم حرب في الصراع في دارفور منذ عام 2003، ورفض مجلس السيادة تسليم المشتبه فيهم (العسكريين اساساً) في مجازر دارفور بطلب من المحكمة الجنائية الدولية، رغم موافقة مجلس الوزراء على الامر، اضافة الى التأخير في نشر نتائج التحقيق في قتل متظاهرين مطالبين بالديمقراطية في 3 حزيران 2019.

هل الأزمة الاقتصادية السودانية حديثة النشأة؟
الجواب في عبارة : ابحثوا عن النفط.
فالنفط حوّل السودان من دولة زراعية بامتياز الى دولة تستورد معظم موادها الغذائية، بحيث ان الاعتماد عليه ادى الى اهمال الزراعة التي كانت العمود الفقري للإقتصاد في السابق. فبات السودان يعتمد على الواردات الغذائية بحيث ان معدل نمو القطاع الزراعي لم يتعدّ الـ 3.6% بين عامي 2000 و 2008 مقابل 10.8 % قبل 10 اعوام، مما ادى الى نشوء ازمات غذائية كبيرة في كل من الشمال والجنوب، افضى الى ديون مرتفعة جداً للدولة، ومن ثم تدخل صندوق النقد الدولي الذي فرض قيوداً اقتصادية شديدة القسوة اثارت احتجاجات شعبية شاملة.
كما ادى النفط الى مزيد من الشرخ بين الدولتين السودانيتين – الشمال والجنوب- اذ ان 75% منه يُنتج أسفل الحدود التي تفصل الشمال عن الجنوب، مما قلّص عائدات الشمال بشكل كبير. وادى ذلك الى معارك للسيطرة على الأراضي على طول الحدود بين الشمال والجنوب في جنوب كردوفان، والنيل الأزرق، وأبييه.
فالسودان بدأ بتصدير النفط الخام العام 1999 ، ووصل تدفق النفط إلى مستوى 490 ألف برميل يوميًا بحلول عام 2009. ولدى انفصال المنطقتين في 2011 كان النفط يمثل 60 إلى 70% من الإيرادات الحكومية في الشمال و 98 % في الجنوب.
الا ان ذلك خلق اسباباً اضافية للتوتر بين الجهتين. فقبل استقلال جمهورية جنوب السودان، كان يتم تقاسم عائدات النفط وفق اتفاق السلام الشامل: 2% يذهب مباشرة الى الولايات المنتجة للنفط، و98% مقسومة بالتساوي بين الخرطوم و جوبا. لكن بعد الاستقلال، رفض الجنوب تقسام عائداته، مما جعل الشمال يخسر – وفق صندوق النقد الدولي- نحو 7.77 مليار دولار بين تموز 2011 ونهاية 2015. فردت الخرطوم بطلب 32 دولاراً للبرميل كرسوم عبور للنفط المشحون عبر خط الأنابيب إلى بورتسودان الشمالي فيما السعر المتعارف عليه دولياً يتراوح بين 2 و3 دولارات، مما استدعى رفض جوبا التي عرضت مبلغ 41 سنتًا للبرميل. واثر الخلاف، قرر الجنوب وقف انتاجه النفطي بالكامل في شباط 2012 رداً على ما قال انه مصادرة الخرطوم لما قيمته 815 مليون دولار من النفط.
في الموازاة، يضاف الى عامل النفط عامل المحيط السوداني المهتز اساساً الذي يؤثر بشكل مباشر على استقراره.
فالسودان تحدّه مصر من الشمال وليبيا من الشمال الغربي وتشاد من الغرب وجمهورية أفريقيا الوسطى من الجنوب الغربي وجنوب السودان من الجنوب وإثيوبيا من الجنوب الشرقي وأريتريا من الشرق والبحر الأحمر من الشمال الشرقي.
بحيث ان الحرب في اقليم تيغري الاثيوبي ادى الى نزوح عشرات الآلاف من اللاجئين إلى شرق السودان متسبباً بتوترات عسكرية حول الأراضي الزراعية المتنازع عليها اصلاً على طول الحدود. كما ان التوتر الناجم عن بدء اثيوبيا بملء سد النهضة ينعكس سلباً على الخطر المحدق بالسدود والمنشآت المائية السودانية بفعل ذلك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات