Search
728 x 90

الرئاسة المسيحية: معضلة البقاء

الرئاسة المسيحية: معضلة البقاء

لا تحديّ مطروحاً في الواقع محلياً او خارجياً، على الاقل علناً، بالنسبة الى هوية رئاسة الجمهورية لجهة بقائها للطائفة المسيحية وتحديداً المارونية على رغم بعض النظريات التي تبرز بين وقت وآخر حول تبادل السلطات من دون ان يكتسب الامر اي جدية تذكر. ولكن لم يحصل مرة لم تكن هذه الرئاسة موضوع تحد خطير يضع مرتكزات البلد كله في خطر.

ويمكن العودة الى التاريخ الحديث لاستذكار التجارب الماضية قبل الحرب منذ تجربة الرئيس كميل شمعون في شكل خاص وخلال الحرب او بعدها حيث شكل التمديد لاميل لحود تجربة كارثية بالنسبة الى لبنان في 2005 والذي ساهم في صدور قرار دولي حمل الرقم 1559 منعاً للتدخل السوري في انتخابات الرئاسة واعقبته تجربة لا تقل قساوة بفرض فراغ رئاسي لعامين ونصف العام انتهى بانتخاب ميشال عون.

والتحدي المقبل في نهاية تشرين الاول لا يقل خطورة من حيث عدم ترك الموقع شاغراً لمدة مماثلة فضلاً عن اهمية شخصية من يشغل الموقع كعنوان توافقي يضع حدًا للاستنزاف الحاصل او يمدد له. وحتى الان لا توقعات بامكان مرور هذا الاستحقاق او حصوله في موعده على رغم المخاطر المهددة للكيان والذي يمكن ان تساهم في تغيير هوية البلد اكثر من اي وقت مضى.

والاهتمام بذلك من خارج يبدو صعباً نظراً الى الكم من التوافقات او التفاهمات المطلوبة اقليمياً من اجل ذلك فيما ان احداً لا يبدو مستعداً لان يساوم راهناً من اجل لبنان او لمصلحته بوجود امور واولويات كثيرة على المحك. كما لا نية لدى فرنسا في شكل خاص باعتبارها الاكثر رعاية للوضع اللبناني وتفاصيله خوض غمار تجربة مماثلة لعقد مؤتمر دولي او محلي برعايتها من ل تأمين توافقات على غرار اتفاق الدوحة مثلاً للوصول الى هذا الهدف فيما افادت معلومات ديبلوماسية ان لا حماسة عربية كذلك لاقتراحات مماثلة.
تتجاهل غالبية القوى السياسية ان دول العالم التي تهتم بلبنان حددت خريطة الطريق التي تختصر بضرورة قيام الاخير بما يتعين عليه القيام به لجهة اجراء الاصلاحات التي تمكنه من استكمال التفاوض مع صندوق النقد الدولي. فهذا الاخير الذي هو بمثابة وكيل للدائنين يضع في اولويته ان يقف لبنان على رجليه من اجل ان يمتلك القدرة على التسديد وهو ليس جهة انقاذ اقتصادي بناء على ذلك. ولن يكون مفهوماً كيف يمكن لأي مؤتمر ان يدفع مجلس النواب لاقرار قوانين ضرورية تعمل على تنفيذها الحكومة حتى لو غدت حكومة تصريف للاعمال على خلفية ضرورة عدم تنصلها من التزاماتها وكذلك الامر بالنسبة الى كل من رئيس الجمهورية ورئيسي المجلس والحكومة. وذلك في الوقت الذي يتعين على المجلس النيابي الجديد ليس فقط اقرار القوانين المطلوبة قبل تحوله الى هيئة ناخبة مطلع ايلول المقبل من اجل انتخاب رئيس جديد للجمهورية، بل ان يواكب المسار التشريعي بآخر يتصل بالعمل على تشكيل حكومة جديدة.

تراهن هذه الغالبية على وجود مصلحة خارجية ما في عدم انزلاق لبنان الى المزيد من الانهيار . وليس ادل على ذلك من المساعدة الاميركية للجيش اللبناني المستمرة لمنع انهيار المؤسسة العسكرية او الاندفاع الاميركي لتسهيل استجرار الغاز الاردني والمصري للكهرباء او ايضاً التفاهم الفرنسي – السعودي على رعاية مشاريع مساعدات انسانية. وتنجح هذه الغالبية في رهانها الى حد ما ولذلك تبقي على الامل بأن المساعدة السياسة ستأتي ولو من دون اعلان مسبق في الوقت الملائم. ولكن الفراغ الرئاسي قد يكون من الاخطر في المرحلة الحالية في ظل تفكك كبير للمؤسسات وتعمد عدم انجاح تأليف حكومة جديدة فاعلة.
احد ابرز الاسباب التي تمنع وفق المعلومات الديبلوماسية رعاية اي دولة صديقة اتفاقاً على غرار اتفاق الطائف ان ظروف عقد الاخير كانت خاطئة من حيث انها صادفت مع ازمة رئاسة الجمهورية. وهي الحال نفسها الآن على خلفية ان الصراع الرئاسي محتدم ليس بين القوى المسيحية فحسب بل بين كل القوى السياسية وحتى على خلفية اقليمية ولو على نحو لا يبدو في الواجهة بهذا الوضوح. ولكن الدول العربية تريد رئيساً متوازناً لا ينتمي الى محور ايران التي تدافع عن نفوذها بدورها. والدرس من ظروف اتفاق الطائف ان النواب المسيحيين آنذاك وافقوا على بنود عادوا للمطالبة بمراجعتها لاحقاً في العهود التي تلت اقرار الاتفاق وتحوله الى دستور لبنان تحت وطأة الطموح الغالب لدى غالبيتهم بالوصول الى الرئاسة الاولى، وكذلك الامر بالنسبة الى قبولهم ببنود عدة بمثابة رد فعل على ممارسات العماد ميشال عون في رئاسته للحكومة الانتقالية آنذاك نتيجة لطموحه بانتخابه هو رئيساً للجمهورية في ذلك الوقت.

ولن تنجح المحاولات المتجددة راهناً لعقد اتفاق مماثل قبيل موعد انتخابات الرئاسة الاولى فيما ان امرين باتا يثيران تساؤلات جوهرية وعميقة تستدعي دراستها : الاول ان يتحول موعد انتخابات الرئاسة الاولى كل ست سنوات مناسبة او محطة لاعادة النظر في الدستور او لعقد تسويات سياسية تقوم على خلفية توازنات جديدة او ما شابه علماً ان تجربة عدم تنفيذ بنود كثيرة من اتفاق الطائف حتى الان فضلاً عن انقلاب “حزب الله” وحلفائه على اتفاق الدوحة في 2011 وحكومة الرئيس سعد الحريري اضافة الى انقلاب التيار العوني ومن ورائه الحزب على التسويات التي ادت الى انتخاب العماد ميشال عون الى الرئاسة، ان كان على صعيد نسف تفاهم معراب او محاربة الرئيس الحريري، كلها عناصر لا تشجع على الانخراط الاقليمي او الفرنسي لأي اتفاق او تسوية جديدة. وتكرار عقد اي مؤتمر للتسوية برعاية اقليمية او دولية لن يكون ممكناً لهذه الاسباب التي تسعرها صراعات الرئاسة الاولى المحتدمة بقوة.
الامر الاخر ان هناك توهماً ازاء محورية لبنان في الاهتمامات الخارجية ولا سيما في هذا التوقيت بالذات بين الحرب في اوكرانيا وتداعياتها الخطيرة في كل الاتجاهات وعدم اليقين في مفاوضات العودة الى الاتفاق النووي وانزلاق سوريا الى جبهات جديدة داخلية اضافة الى مسائل اخرى اكثر اثارة للمتابعة من حرب اليمن الى غيرها. وتالياً ان العالم غير مهتم وتعب من لبنان. ولذلك فإن الرهانات على المسارعة الى انتشال لبنان او عدم انهياره اكثر ليست في محلها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات