Search
728 x 90

الذكرى الثانية لانتفاضة 17 تشرين 2019

الذكرى الثانية لانتفاضة 17 تشرين 2019

سنتان على انتفاضة 17 تشرين الاول 2019 في لبنان بعد اسبوع .
هل بات يمكن تقويم الايجابيات والسلبيات وماذا الذي حققته هذه الانتفاضة التي لم تكتمل فصولها؟

 اذ ان الشباب الذي تظاهروا بغضب على الطبقة السياسية راغبين في رحيلها تحت شعار ” كلن يعني كلن ” باتت غالبيتهم من التي توافرت لها  فرص العمل خارج لبنان فرحلت عنه. فيما ان الطبقة السياسية او بالاحرى السلطة الحاكمة تحديداً باعتبار ان فريق ” حزب الله ” وحليفه الشيعي والاخر المسيحي المتمثل في التيار العوني هم من تسلم دفة الحكم بعد الانتفاضة ، فقاد البلد الى الانهيار الكلي تحت طائل الدفاع عن المكتسبات والمصالح وعدم التخلي عنها اياً يكن الثمن حتى لو كان الثمن انتهاء لبنان كدولة.

كان ثمة خيار اتيح لململة الوضع واعطاء المنتفضين بعض طلباتهم ولكن ذلك لم يكن خياراً بالنسبة اليهم ولا سيما بالنسبة الى ” حزب الله” الذي رأى في انتفاضة اللبنانيين ثورة عليه وعلى نفوذه بدفع خارجي نظراً الى تزامن الانتفاضة في لبنان مع انطلاق انتفاضة شعبية في العراق سرعان ما تم اخمادها بقوة السلاح، ولم تخف ايران انذاك اعتبارها الانتفاضتين موجهتين ضدها في كل من العراق ولبنان.

هذه النقطة هي الاساس باعتبارها محورية في اطفاء انتفاضة العراق كما في مساعي اطفاء الانتفاضة في لبنان اذ خرج يومها الامين العام لـ “حزب الله ” السيد حسن نصرالله رافعاً ثلاث لاءات هي لا تغيير للحكومة ولا انتخابات نيابية مبكرة ولا تخلي عن رئيس الجمهورية او السماح باطاحته. تحت هذه اللاءات اديرت معركة شرسة ضد المنتفضين خرج من دائرتها رئيس الحكومة انذاك سعد الحريري الذي رغب في التجاوب مع المنتفضين وطمح الى حكومة من الاختصاصيين المستقلين لادارة مرحلة بدأت تنذر بصعوبة كبيرة على الصعيد الاقتصادي علماً ان سعر الدولار كان يوازي آنذاك سعره المثبت منذ سنوات كثيرة اي 1515  ليرة لبنانية. رفض رئيس الجمهورية ميشال عون كلياً عودة الحريري فيما اعتبر انه خرج من التسوية التي كان عقدها معه في 2016 وادت الى انتخاب عون رئيساً للجمهورية كما اعتبر انه طعنه في الظهر من خلال استقالته التي لم ينسّقها معه في مقابل مراعاته الانتفاضة الشعبية ومطالبها .
الدفة السلطوية التي تسلمها عون مع حليفه الشيعي ترجمتها في حكومة ظاهرها من الاختصاصيين فيما انها خضعت لاوامر هذه السلطة، وقد تولت الحكومة ادارة ازمة معقدة جداً وهي ليست في مستواها كما اتخذت قرارات خرقاء سرّعت الانهيار بدلاً من ان تلجمه. اذ ان الحكومة التي ترأسّها حسان دياب بعيداً من اي دعم من طائفته ادّت الى ارتكاب خطأ جسيم باعلانها امتناع لبنان عن دفع سندات اليوروبوندز توفيراً لدفع مليار وبضعة ملايين من المصرف المركزي في حين ان الخطوة كانت كارثية. اذ ان الانهيار التي سرعته مفقودة الثقة الخارجية بلبنان ادى الى استنزافها لاحقاً ما يزيد على عشرة مليارات من مخزون المصرف المركزي من العملة الاجنبية لمصلحة دعم لبعض السلع انتهى في جيوب المحتكرين والسياسيين فيما زاد تعميق حال الفقر لدى اللبنانيين.

فامتناع لبنان عن دفع ديونه كان ممكناً لو انه اتى من خلال خطة مدروسة تقع فيها المساعي للتفاوض مع الدائنين الخارجيين موقعاً اساساً بحثاً عن حلول. فيما ان الخطوة المتخذة لاول مرة في تاريخ لبنان كانت قاضية لوضعيه والاقتصادي من حيث ان عملية بهذا الحجم شكلت قفزة اقتصادية ادت الى انهيار البلد واعلنت ان الدولة لا تفي بالتزاماتها.

وهذا تغيّر كبير سواء كان القرار صحيحاً او خاطئاً وكان يجب التحضير له باعتبار ان الدولة لا يمكن ان تعلن افلاسها وتغلق الباب كأنها ذهبت الى منزلها وانتهى الامر.

والخطأ الثاني ان الحكومة وضعت خطة اقتصادية للخروج من الانهيار . الا انه وبغض النظر عن مدى صوابيتها من عدمه ايضاً، فإنه في بلد متعدد كلبنان لا يمكن ان تحصل من دون ان يكون جميع المعنيين مشاركين فيها. اذ لا يمكن اقصاء المصرف المركزي او المصارف فيما ان اهل السلطة انفسهم الذين وضعوا الخطة في الحكومة نقضوها في مجلس النواب.

والخطأ الثالث انه وبعد انفجار مرفأ بيروت في 4 آب 2020 استقالت الحكومة وبدلاً من ان تصرّف الاعمال ذهب رئيسها والوزراء الى منازلهم وامتنعوا عن القيام بأي جهد ما ساهم في تعميق الانهيار وزيادته. وبغض النظر عما اذا كان الامر مقصوداً او مدفوعاً في اتجاه حصوله نظراً الى المواكبة السياسية التي حصلت لهذا الاداء بتعطيل فريق رئيس الجمهورية تأليف حكومة جديدة لمدة سنة وشهر من دون ان يأبه للتدهور المتسارع على كل المستويات بالاصالة عن نفسه وبالنيابة عن حليفه الشيعي، فإن الشكوك قوية بأن الدفع في اتجاه انهيار البلد كان بريئاً . اذ ان الدخول الفرنسي على الخط بقوة بعد انفجار مرفأ بيروت من خلال زيارتين قام بهما الى لبنان الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون وقيادته المباشرة لمبادرة سياسية قضت بتأليف حكومة انقاذية بعيدة من الاحزاب وتتجاوب مع تطلعات الانتفاضة ادخلت الازمة في بازار اقليمي دولي بحيث دفعت ايران بشروطها في هذا البازار في ظل بدء الولايات المتحدة مساراً رئاسياً جديداً مع الرئيس جو بايدن الذي طرح في اولوياته العودة الى العمل بالاتفاق النووي الموقع مع ايران في العام 2015 والذي انسحب منه سلفه دونالد ترامب. الشروط الايرانية ربطت ازمة لبنان بالمفاوضات النووية ونجحت في الحصول على تنازلات في مقابل تأليف حكومة بشروط الحزب وحليفه المسيحي تحت وطأة انهيار متدحرج لم يعد مقبولاً في لبنان ويهدد الاستقرار الامني وزعزعته وبالفوضى في لبنان والمنطقة .
اين اصبحت الانتفاضة والمنتفضون بعد سنتين على ما اعتبر ثورة توازي ثورات ما اطلق عليه بالربيع العربي ؟
تم تدمير القوى الشعبية تحت وطأة حملات متكررة امنية او تحت وطأة اختراقات استخباراتية من الاحزاب والتيارات السياسية الى جانب الهجمات او الاعتداءات من جانب “حزب الله” ومناصريه على الثوار في بيروت ما ادى الى تبعثر هذه القوى وتشرذمها. ما بقي منها تحوّل الى محاولة ترجمة الانتفاضة في التحضير للانتخابات النيابية المقبلة بتشجيع واضح من الدول الغربية باعتبار ان التغيير القسري عبر الشارع سيواجه على الارجح كما ووجهت كل الانتفاضات التي حصلت في الدول العربية . فيما ان الجهد يجب ان ينصب على التغيير عبر السبل السياسية والاستحقاق الاقرب في الانتخابات التي ستجرى في ربيع السنة المقبلة.

وهناك تحذيرات بدأها ” حزب الله” على طريق اعتباره استعدادات المجتمع المدني للانتخابات على خلفية انها مدفوعة من الخارج وانها تستهدف تطويقه، ما يخشى فعلاً من محاولة تقويض الانتخابات او من وسائل لن تحترم نزاهتها او شفافيتها . ولكن الآمال ليست كبيرة بامكان تحقيق المجتمع المدني الممثل للمنتفضين خروقاً كبيرة نظراً لطابع القانون الانتخابي المفصل على قياس القوى السياسية ومصالحها بالاضافة الى امتلاك اهل السلطة الوسائل السلطوية كلها كما للاموال والاغراءات والوعود في بلد بات بعاني اكثر من 75 في المئة من عائلاته من الفقر .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات