Search
728 x 90

الخارج نحو العقوبات لخشيته من تفكك لبنان

الخارج نحو العقوبات لخشيته من تفكك لبنان

اذا كانت العقوبات تشكل “آخر دواء” اي الكيّ متى استُنفدت كل وسائل المعالجة، فإن الوضع اللبناني ولا سيما الحكومي العقيم ينذر بموجة جديدة منها كما هدد اكثر من مسؤول خارجي في الاسبوعين الأخيرين.
فبين 2 ايلول 2020 حيث استبعد الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون ” فرض عقوبات لن تكون مفيدة في هذه المرحلة”… واليوم حيث الاجماع اميركي اوروبي على عقوبات تردع معرقلي تشكيل الحكومة، تطورت هذه الوسائل الأممية الردعية من كونها تطال حزب الله ومن يدعمه في لبنان… الى انها قد تستهدف من يعرقل رؤية الحكومة الانقاذية النور.

لم تؤثر المبادرات الغربية حيال لبنان قيد انملة في حلحلة الوضع الحكومي المتأزم الذي يراوح مكانه منذ اكثر من اربعة اشهر، والذي وضع الوضع الاقتصادي والمالي على كف عفريت في بلد فقد كل شيئ وكانت ذروة خسارته في انفجار مرفأ بيروت في 4 آب.
فلا زيارتا الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون الى بيروت بعد انفجار المرفأ حرّكتا ركود الوضع السياسي، ولا مبادرته التي رحب بها كل الأطراف من دون استثناء من دون ان يعملوا على وضع “حكومة المهمة” – كما سماها ماكرون – على سكة التنفيذ، لا بل على العكس، عمد اكثر من طرف الى وضع العراقيل امامها، تارة بحجة آلية دستورية للتشكيل و”حسن التمثيل” وطوراً بـ “الثلث الضامن” وصولاً الى اعلان الامين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله في 18 آذار 2021 وجوب ان تكون الحكومة تكنوسياسية لأن “حكومة اختصاصيين لن تستطيع أن تصمد وتتحمل مسؤولية الأزمة”، ضارباً بعرض الحائط بكل مفهوم المبادرة الفرنسية التي ترتكز الى حكومة اختصاصيين غير حزبيين.
فالكيل طفح في اروقة الدبلوماسية الفرنسية، وصبر فرنسا قد نفد، تزامناً مع اعلان وزير الخارجية الفرنسية جان ايف لودريان لدى وصوله لحضور اجتماع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في 22 آذار 2021 ان “”فرنسا تتمنى أن نبحث قضية لبنان… البلد يسير على غير هدى ومنقسم… عندما ينهار بلد ما يجب أن تكون أوروبا مستعدة”. واشارته الى اوروبا يعود الى ان ليس فرنسا وحدها القلقة على لبنان وتفككه وليس فقط انهياره بل ان المجموعة الدولية ليست قلقة فحسب بل مذعورة مما يتجه اليه لبنان.

وتنتقد هذه المجموعة مسؤولي السلطة الى درجة اعتبارهم يتحملون “مسؤولية اجرامية ” وهو تعبير لاحد كبار الديبلوماسيين تجاه ترك لبنان يعاني ما يعانيه وعدم القيام بما يلزم للانقاذ. ففي مبدأ السياسة حيث تقدم اغراءات ما لأي طرف للتجاوب مع مطالب خارجية ويطلق عليها تعبير تقديم جزرة لهذا الطرف، فإن العصا او الخيارات الاخرى تطرح على الطاولة حيث يفشل الاغراء.

وبالنسبة الى المجموعة الدولية التي ستتفق على اتخاذ العقوبات وتهدد بها فإنها تسري على قاعدة ان كل الخيارات باتت موضوعة على الطاولة بما فيها العقوبات التي يمكن اختصارها في منع دخول معرقلي تأليف الحكومة الى دول الاتحاد الاوروبي واميركا وكذلك حجز اموالهم في المصارف الاوروبية . اما السبب الفعلي فلا يتصل بعدم التجاوب مع تأليف حكومة ستكون في احسن الاحوال خطوة صغيرة جدا لمسار اعادة لبنان الى خطة الانعاش فحسب بل يتصل بواقع ان المجتمع الدولي يرى تفككاً للمؤسسات اللبنانية ويخشى في شكل خاص على ما حذر منه قائد الجيش جوزف عون قبل اسابيع من تأثير الازمة والانهيار على عناصر الجيش والاجهزة الامنية.

وتحمل مخاطر التفكك كذلك الى تهديد الامن الغذائي للبنانيين والذي بات واقعاً وارتفاع نسبة الفقر الى احتمالات اهتزاز الاستقرار الامني والهجرة ونشوء مشكلات بين اللبنانيين والنازحين . وهذه كلها مؤشرات في غاية الخطورة وتخشى منها الدول المهتمة على تهديد للاستقرار في المنطقة وصولاً الى اوروبا بالذات.
ومع تحرك الاتصالات مجدداً في لبنان على وقع تحذير لودريان من العقوبات ، لم يكن واضحاً اذا كان المسؤولون يخشون فعلا العقوبات عليهم او انهم تحركوا على خلفية حلحلة طرأت على اجتماعات مجموعة الخمسة زائد واحد مع طهران في ما يتعلق بالملف النووي الايراني . ويعود ذلك الى الربط الذي يعتقد سياسيّون كثر انه وراء استرهان لبنان للسياسة الايرانية عبر ” حزب الله” في المفاوضات مع واشنطن.
في اي حال ، فإن الضغط الفرنسي قابله ضغط اميركي مماثل. فالمساعد السابق لوزير الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأوسط ديفيد شينكر قال نهاية آذار “لقد ذكَر الرئيس إيمانويل ماكرون في وقتٍ سابق أنّ فرنسا ستُعاقب من يُعرقل تشكيل الحكومة ضمن المبادرة الفرنسيّة، لكن كلّ ما نراه هو العرقلة ولم نَرَ أيّ عقوبات”. اما السفيرة الاميركية في بيروت دوروثي شيا فكشفت غداة تصريح شينكر ان “الهدف من العقوبات هو أن نُبرهن أن هناك كلفة يجب دفعها عن سياسات وتصرّفات معادية لمصالح الشعب اللبناني، علماً أن الكثير من اللبنانيين يُطالبون بمزيد من العقوبات في هذا الإتجاه”.
وبما ان التركيز الخارجي يصب اولاً واخيراً على تشكيل حكومة قادرة على انتشال لبنان من القعر ووضع الاصلاحات الضرورية حيز التنفيذ، فإن العقوبات تتجه بالتالي الى من يضع العصي في دوليب رؤيتها النور، ولا سيما التيار الوطني الحر حيث تتجه اصابع الاتهام الى رئيسه جبران باسيل كونه “رئيس الظل” كما تصفه اكثر من جهة دبلوماسية ومحلية تتهمه بأنه أحد أبرز المتسببين في الانسداد الحكومي المستمر في لبنان منذ أكثر من 5 أشهر.
وقد ذهب شينكر في هذا الاطار الى حد وضع الاسماء على التهم قائلاً في 22 آذار ” يبدو أن الوزير جبران باسيل والرئيس ميشال عون يتمسكان بثلث معطل في الحكومة الجديدة بسبب تطلعات جبران باسيل الشخصية لضمان ان يكون الرئيس المقبل للبنان”. ثم قال في اليوم التالي ان ” حزب الله يدعم الوضع الحالي في لبنان ولا يهتم بمعاناة الشعب” الذي هو بحاجة لحكومة من المختصين. واضاف ان “النخبة السياسية الحاكمة في لبنان لا تكترث لحاجات الشعب”.

تاريخ من العقوبات

في ظل هذا الوضع المأزوم، ما الهدف من العقوبات؟
لا فرق بين تحديد مفهوم هدف العقوبات ومسبباتها اوروبياً واميركياً. فوزارة الخزانة الأميركية اوضحت ان العقوبات تفترض تجميد كل الممتلكات والمصالح في الممتلكات التي تخص من استهدفته العقوبات، والموجودة في الولايات المتحدة أو في حوزة أو سيطرة الأشخاص الأميركيين ، على ان يتم إبلاغ مكتب مراقبة الأصول الأجنبية بها. وتحظر لوائح مكتب مراقبة الأصول الأجنبية عموماً كل المعاملات التي يقوم بها أشخاص أميركيون أو من داخل الولايات المتحدة (بما في ذلك المعاملات التي تعبر الولايات المتحدة) والتي تنطوي على أي ممتلكات أو مصالح في ممتلكات الأشخاص المحظورين أو المدرجين. بالإضافة إلى ذلك، قد يتعرض الأشخاص الذين يشتركون في معاملات معينة مع الأفراد والكيانات المدرجة إلى عقوبات أو يخضعون لإجراءات الإنفاذ.
ومنذ إصدار الرئيس الاميركي رونالد ريغان “القائمة الأميركية للإرهاب” في الثمانينيات، والقائمة تتوسع لتشمل الاشخاص والكيانات التي تعتبرها واشنطن مهددة لمصالحها وامنها القومي.
فحزب الله أُدرج في كانون الثاني 1995 من ضمن الملحق للقرار E.O. 12947، الذي يستهدف الارهابيين الذين يهددون مسيرة السلام في الشرق الاوسط. كما ضمّته وزارة الخزانة الاميركية الى لوائح المنظمات الإرهابية الخارجية في تشرين الاول 1997، ومن ثم الى لوائح المنظمات الإرهابية الدولية الى جانب 22 منظمة اخرى في اعقاب هجمات 11 ايلول 2001 بحيث ان ملاحقة الحزب وافراده لم تقتصر على لبنان فقط، لا بل وصلت إلى أوروبا وشرق آسيا وافريقيا واميركا اللاتينية.
وقد ركزت السفارة الاميركية في بيروت على موقعها على موقف الدول الاوروبية المتطور ازاء ” حزب الله” والمتناغم مع السياسة الاميركية بالعقوبات ضده، لافتة الى ان “الدول الأوروبية تدرك على نحو متزايد التهديد الذي يمثله حزب الله، وهي تقوم بمنع المنظمة الإرهابية التي تدعمها إيران، من جمع الأموال أو القيام بأنشطة أخرى داخل حدوده”.
وفي سياق مواز، يحدد موقع الاتحاد الاوروبي مفهوم العقوبات، قائلاً انها “جزء أساسي من السياسة الخارجية والأمنية المشتركة للاتحاد الأوروبي (CFSP) وتستخدم كجزء من الجهد الدولي لمكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب والجرائم المالية الأخرى”.
ويوضح الموقع ان قائمة عقوبات الاتحاد الأوروبي هي قائمة موحدة للبلدان والكيانات والأفراد الذين “يشاركون أو يشتبه في تورطهم في أنشطة غسل الأموال أو تمويل الإرهاب – وبالتالي يخضعون للعقوبات الاقتصادية من قبل الاتحاد الأوروبي”.
وفنّد الموقع عقوبات الاتحاد الأوروبي كالتالي:
– تجميد الأصول المالية.
– قيود على الوصول إلى الأسواق أو التجارة أو الاستثمار أو المساعدة الفنية.
– حظر الأسلحة.
– حظر السفر.
وفي هذا السياق، اوضح عضو البرلمان الأوروبي النائب الفرنسي تيري مارياني “أن الاتحاد الأوروبي يؤيّد فرض عقوبات على شخصيات فاسدة في لبنان، لأي طائفة انتموا إذا امتلك القضاء اللبناني أدلة تُثبت تورّطهم”، لافتاً الى ان الاتحاد الأوروبي أنشأ في نهاية العام الماضي آلية لتطبيق عقوبات جديدة في دول مختلفة تطال أفراداً محددين متورّطين بالفساد ويملك القضاء في بلدهم أدلة تُثبت ذلك”.
اما تحديد مفهوم العقوبات فيختصر في المعجم بأن “الحكومات تستخدم العقوبات الاقتصادية كأداة للسياسة الخارجية. عادة ما يتم فرض العقوبات الاقتصادية من قبل دولة أكبر على دولة أصغر لسبب من سببين: إما أن الأخير يمثل تهديدًا متصورًا لأمن الدولة السابقة أو أن هذا البلد يعامل مواطنيه بشكل غير عادل”.
وغنيّ عن القول ان الخيار الثاني ينطبق بقوة على وضع لبنان، وعلى لسان اكثر من مسؤول خارجي ابرزهم الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون الذي قال في ايلول 2020 ان “امام القادة اللبنانيين فرصة أخيرة للوفاء بالتعهدات التي اعلنوها”، ثم عاد وقال بعد اقل من اسبوعين انه “يخجل من زعماء لبنان”، مضيفاً “اليوم، يقوم بضع عشرات من الأشخاص بإسقاط البلاد”. ولم يتردد ماكرون خلال افتتاحه مؤتمراً دولياً ثانياً لدعم لبنان في كانون الأول 2020، من استنكار سلوك المسؤولين اللبنانيين الذين لم يفوا بتعهداتهم تشكيل حكومة والبدء بإصلاحات هيكلية مشروطة بها المساعدات للبنان.
وفيما بقي كل هذا الخجل والاستنكار والادانة من دون صدى في وقت لا يجد لبنان اي خشبة خلاص لانتشاله من ازمته، يبدو ان لا بد من “آخر دواء” ومن “كيّ العقوبات”… علّ الأفعال تكون أنجع من الكلام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات