Search
728 x 90

الحرب في اوكرانيا ليست نزهة : من يبدأ التراجع؟

الحرب في اوكرانيا ليست نزهة : من يبدأ التراجع؟

لم تقم روسيا باجتياح اوكرانيا في 16 شباط كما سرت توقعات اميركية قبل بعض الوقت في ظل احتدام التوتر الغربي مع روسيا حول اوكرانيا ولكن التحذيرات الغربية استمرت من اجتياح متوقع انما مع فارق جوهري.

 هذا الفارق يكمن في ان روسيا كانت تهزأ من التحذيرات الغربية والاميركية تحديداً من اجتياحها لاوكرانيا ولكنها بعد 16 شباط بدأت مناطق في اوكرانيا تشهد مناوشات حربية على نحو باتت التهديدات اكثر جدية او هي الحرب التي تزحف تدريجاً نتيجة استفزازات يراد منها ان تكبر او رفع التهديد بمعارك جزئية من اجل الضغط من اجل التنازل لروسيا.

فخلال ليلة واحدة سجل 591 خرقاً في دونيتسك و975 في لوغانسك المجاورة، وهما منطقتان خاضعتان جزئياً لسيطرة انفصاليين مدعومين من موسكو. وأظهرت خريطة تفصّل الخروقات أنّ القتال الأعنف دار في منطقة تقع في شمال غربي لوغانسك، على بُعد نحو 20 كلم جنوب شرقي مدينة سفرودونتسك التي تسيطر عليها الحكومة الاوكرانية.

فالمأزق هو في الاستمرار في نسج الروايات حول الاجتياح الى درجة توريط روسيا التي باتت تحتاج الى ماء الوجه من اجل التراجع عن تهديداتها. ولكن الدول الغربية والولايات المتحدة استمرت في المقابل بتصعيد التحذيرات والضغوطات واحراج روسيا بتداعيات ما يمكن ان تقدم عليه. فهذه الدول باتت صدقيتها وانخراطها في موضوع اوكرانيا كبيرين جداً بحيث يصعب القول ان الامور ليست بين حدّين قاسيين: الاول نشوب حرب حقيقية بتداعيات كارثية على اوروبا ولكن ايضاً على العالم في ظل اضطرار ادارة الرئيس جو بايدن ان يظهر حزمه وعدم ضعفه ازاء روسيا والآخر العودة الى زمن الحرب الباردة بحرب جديدة بين الغرب وروسيا.
هل لا يزال ممكناً تجنب ازمة كبيرة ام فات الاوان على ذلك نتيجة انخراط وتصعيد متقدم للمواقف بين هؤلاء الاطراف جميعهم؟

لا تخفي مصادر اوروبية ان الوضع في ما يتصل باوكرانيا متوتر جداً اذ هناك مستوى كبير من التهديد الذي تشكله روسيا على أوكرانيا وحولها ترفضه اوروبا ككل وكذلك الولايات المتحدة بما يخشى معه أن تكون الأيام المقبلة على درجة كبيرة من الخطورة اذا انزلق الوضع الى حرب في اوروبا. وهي تقول ان المساعي الدبلوماسية متواصلة ويمكن ان تتوقف الامور عند حدود التهديد بالقوة من دون استخدامها ولكن الوضع سيكون اكثر صعوبة اذا استخدمت القوة.

وهناك تهديدات وتحذيرات لروسيا مما يمكن ان يجر عليها الموضوع من تداعيات ولكن سبق لروسيا ان سيطرت على شبه جزيرة القرم بدعوى انها تشكل جزءاً منها على رغم احتجاج الولايات المتحدة واوروبا ما ادى الى توتر كبير ولكن نجت منه روسيا الى حد كبير.

ومن هنا مخاطرة فلاديمير بوتين بالتهديد راهناً بحيث يتوقف على الدول الغربية التي ستتضرر الى حد كبير ولا سيما في الصراع على الطاقة والغاز خصوصاً بالنسبة الى خط نورد ستريم الذي ينقل الغاز الروسي الى اوروبا. وقبل نحو أسبوعين تعهد الرئيس الأميركي جو بايدن، في مؤتمر صحافي مع المستشار الألماني أولاف شولتس، في البيت الأبيض، بـ”وضع حد” لخط الأنابيب “نورد ستريم 2” الذي بُني لاستجرار الغاز الروسي إلى أوروبا عبر ألمانيا، إذا أقدمت روسيا على غزو أوكرانيا. فيما ان الغرب يلوح بعقوبات كبيرة على روسيا لن يسهل عليها الحرب كذلك وفي مقدم ذلك عزلها عن نظام سويفت الدولي المالي الذي هو عبارة عن شبكة اتصالات مصرفية عاملية تربط الاف البنوك والمؤسسات المالية حول العالم. وإذا تمت بالفعل إزالة روسيا من نظام سويفت، فإن ذلك سيجعل من المستحيل تقريباً على المؤسسات المالية إرسال الأموال داخل أو خارج البلاد، ما يؤدي إلى أزمة كبيرة للشركات الروسية وعملائها الأجانب – خصوصاً مشترو صادرات النفط والغاز.

والسؤال هنا يتصل بمدى استعداد روسيا فيما ان اقتصادها ليس في افضل حالاته تستطيع المضي بذلك كما فعلت ايران التي تفاوض في فيينا راهناً للعودة الى الاتفاق النووي ورفع العقوبات عنها بما يمكنها من العودة الى تصدير نفطها والعودة الى النظام المالي الدولي او ان المناورات السياسية والعسكرية مماثلة لتلك التي قام بها بوتين في 19 شباط وشملت إطلاق صواريخ باليستية وصواريخ كروز قادرة على حمل شحنات نووية في رسالة الى الغرب بأهداف متعددة لاعادة الغرب واوكرانيا الى اتفاقية مينسك بشروطه والحصول على تعهد بعدم ضم اوكرانيا الى حلف الناتو؟
شروط العودة عن حافة الحرب ممكنة. وكان لافتاً جداً موقف نائبة الرئيس الاميركي كامالا هاريس عن احتمال الحرب “الذي لا يزال قائما” مهددة “بأننا سنصعد عقوباتنا اذا اقدمت روسيا على الاعتداء. ولكن الاهم في ما قالته “اننا نقدر رغبة اوكرانيا في الانضمام الى حلف شمال الاطلسي ولكن الامر يتطلب وقتا”.

ومؤشرات ذلك ان الابواب لا تزال مفتوحة امام التراجع عن حافة الهاوية فضلا استمرار الاتصالات الديبلوماسية مع الرئيس الروسي على خلفية ان الحرب لن تكون نزهة بالنسبة الى احد وستكون لها اثمان باهظة جداً ولا سيما انه يمكن فتح معركة او الذهاب الى الحرب لكن الخروج منها ليس بالسهولة نفسها .

ويكفي متابعة تهاوي الاسواق المالية مع التحذيرات التي اطلقت عن حرب وشيكة على اوكرانيا مع تراجعات قوية للاسواق الاوروبية ولكن التراجع الاشد حدة كان في بورصة موسكو وكذلك الامر بالنسبة الى الاسواق الآسيوية واسواق الاسهم في المصارف والشركات على انواعها اضافة الى بقاء اسعار النفط مرتفعة. مما يجعل احتمال الحرب كارثياً ليس على اوروبا فحسب بل ايضاً بترددات كارثية في انحاء العالم. فالحسابات الاقتصادية لها اولويتها على هذا الصعيد والاوروبيون يخشون ان يدفعوا الثمن الاكبر في تقسيم اوروبا وفي المنازلة مع روسيا وكذلك الامر بالنسبة الى موضوع الطاقة التي تعتمد فيها اوروبا على روسيا بدرجة كبيرة ولو انها تحاول ان تسد العجز لهذا الشتاء بمصادر اخرى في ظل ما يجري.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات