Search
728 x 90

الثورة بين الانتلجنسيا-التّراكُم والميدان – العنفوان!

الثورة بين الانتلجنسيا-التّراكُم والميدان – العنفوان!

ثمّة من ينعى ثورة 17 تشرين ويتهكّم على فاعليّتها. بعضٌ يتولّى ذلك عن قصدٍ مشبوه. وبعضٌ آخر عن حسرةٍ من تأخر إنجاز التّغيير الراديكاليّ. القصد المشبوه قابعٌ في منصات المنظومة حاكِماً ومتحكِّماً. وحسرة التأخّر قائمة في تجاهلٍ لماهيّة مكوّنات الخصم الضاربة الجذور في كلّ حنايا مواقع النفوذ التي اغتالت دولة رعاية الخير العام، وأنبتَت محلّها سُلطة المنتفعات الخاصّة. الخوف، الذي يتبدّى مُلِحّاً التوقّف عميقاً في مضامينه، أساسه إمكان قيام حلفٍ موضوعيّ بين القصد المشبوه وحَسرة التأخّر، إذ يستفيد الأول من انفعاليّة الأخيرة القادرة على الانقضاض على إمكان تأطير الثورة تنظيميّاً في وحدة الرؤية والقيادة والبرنامج والتنظيم.

زياد الصائغ

خبير في السياسات العامة

وبالقدر الذي يتسيّد هذا الخوف الكثيرَ من النّقاشات المعمّقة في بعض أطر الثورة المنظّمة، الخوف بمعناه التحفيزيّ أكثر منه الانكفائيّ الانسحابيّ، بالقدر عينه تتفوّق في بعض هذا الأطر نظريّة تقبُّل أن يتحرّك الكلّ في مساحة الكلّ، حتى التّأقلم مع بعضٍ يلتصق برموزٍ من المنظومة ويُفبرك مساحاتٍ له فيها،ويترّأس وفوداً، ويعظ محذّراً الثورة والثوّار من أي نفَسٍ إقصائي، فيما هو ممعنٌ في الإقصائيّة والاحتكاريّة والتقليديّة، وفي كلِّ هذا مقتلةٌ لنقاءٍ مفترضٍ في الثّورة، وازدواجيّة كارثيّة في معايير الانتماء إلى مفاهيمها ومساراتها المكوِّنة.

أمّا الطموح المشروع إلى السُّلطة من باب تقديم بديلٍ عن الحُكم وفيه، فلا يمكن أن تضمنه تحالفاتٍ ظرفيّة إنتخابيّة تتوقّف حصراً عند المبادئ العامّة، وإلّا نمسي في تكتيكٍ ترقيعيّ آنيّ، على غرار ما تمَّ ممارسته في الأربعين عاماً الماضية أي “قوم تاقعد محلّك” ،أو “منقعد سوا ومنتحاصص”، وفي هذا أيضاً نحرٌ لمآلات تبديل في الانتماء إلى الفضاء العام الوطنيّ على أنه قدرة على بناء دولة بالاستناد إلى برنامجٍ متكامل ومتماسك.

لا يمكن للثّورة أن تنهج خيارات المنظومة الفِعليّة أو الانفعاليّة، لا من باب الخطاب ولا من باب الممارسة العملانيّة على قاعدة أن ها هي استراتيجيّة الخصم ما زالت حيّة، مواجهتها لا تستقيم سوى بتبنّي بعض عناصرها، إذ هنا بالذات تنتفي التمايزات البنيويّة بين المنظومة والثورة؛ خصوصاً إن لم تستو الأخيرة في مربّع المواجهة الجذريّة بأنّ ما هي بصدده مشروع وطن وليس نَهَم سُلطة، مع موجب التأكيد على أنَّ مشروع الوطن باسترداد الدّولة، يجب أن يتوازى مع انهماكٍ دقيق في إعداد أدوات معركة إعادة تكوين السُّلطة.

في هذا السّياق التمايزيّ والتمييزيّ بين الثّورة والمنظومة على مستوى الممارسة العملانيّة أو المستوى المفاهيميّ، التمايز والتمييز شديدا الوضوح، إذ يتبدّى جليّاً أنَّ الثورة أمام فرصةٍ لفرض انسجام في الإيقاع بين عقل الانتلجنسيا المنخرطة فيها، والنخوة الميدانيّة المستبسِلة في ساحاتها من ناحية، ناهيك بتكاملٍ بين المكوِّن الاستبلشمنت المخطِّط فيها وذاك النازع إلى خوض غمار السياسة، من بوّابة إعادة تحرير مواقع السُلطة من محتلّيها بتحالفاتٍ خبيثة مدمِّرة من ناحية أُخرى.

ليس من مفاضلة هنا أو أفضليّات بين الانتلجنسيا – العقل والنخوة – الميدان في الثّورة، ولا تنافُس، ولا حتميّات. القَول بانتكاسةٍ بسببٍ من تعب الناس، وخوفهم ويأسهم، يحتمِل نقاشاً عميقاً في ترهُّل حججه إلى حدّ مُغالطتها. والقول بأن الفِعل الفكريّ التخطيطيّ مضيعةٌ للوقت إلى حدّ اتهامه بالتّرف، وعدم مُلامسة نبض الناس، فيه كثيرٌ من التجنّي إلى حدِّ رفض أن تكون الثورة فِعلاً تأسيسيّاً للمستقبل بل تكتفي بالانفعالات الآنيّة، حتّى ولو كانت  هذه الأخيرة مثلاً الانتخابات النيابيّة المقبِلة – هذا إذا سُمِح بإجرائها – مؤسِّسة في ديناميّة التغيير، إذ دون وضوحٍ في الرؤية والقيادة والبرنامج سيكون قَضم السُلطة سطحيّاً، وهناك البُكاء وصريرُ الأسنان.

ثورة 17 تشرين تحاكي في هذه الثّورة  في مرحلة خيار تكوُّن التشكّلات الوطنيّة القائمة على سياساتٍ عامّة. وتموضُعها في ائتلافٍ مدنيّ وطنيّ مُعارض، أو أشكال أُخرى، خيارٌ فاعِل أكثر منه انفعاليّ، والرّهان على نجاحها في تشييد لبنان الجديد أخلاقيٌّ في زمن رحيل المنظومة الحاكِمة مهما سعَت إلى الاستئسادِ في الهيمنة. لنقرأ بعض تاريخ الثّورات. بين الفِعل والانفعال بونٌ زلزاليّ.

حمى الله لبنان واللّبنانيّين والثّورة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات