Search
728 x 90

التكيف مع الفراغ الطويل بعد ضجيج الرحيل العوني

التكيف مع الفراغ الطويل بعد ضجيج الرحيل العوني

رغم كل الضجيج المفتعل الذي اثاره الرئيس المنتهية ولايته في منتصف ليل 31 تشرين الأول ميشال عون وصهره رئيس التيار العوني جبران باسيل في اليومين الأخيرين من ولاية عون لم يحدث هذا الصخب أي تبديل في وقائع سيناريو تدخل البلاد في نفقه مع الأول من تشرين الثاني تحت ظل الفراغ الرئاسي الجديد وسلطة انتقالية هي حكومة تصريف الاعمال.

هدد عون باقصى حدود ما يمكن عون الذهاب اليه في الثواني الأخيرة من ولايته وهو اصدار مرسوم ” بقبول استقالة ” حكومة ميقاتي في اجراء يكشف على نحو فاقع عقم السياسات الانفعالية والشعبوية التي طبعت مسيرة عون منذ بداية انخراطه في السياسة ولم يقلع عنها حتى بلوغه حافة التسعين من العمر، كما يكشف ضحالة المستشارين الذين أحاط نفسه بهم وغالباً ما دفعوا به الى مزيد من المهالك.

فهذا الاجراء لا سند دستورياً له على الاطلاق لاعتبارين أساسيين: الأول ان الحكومة هي دستورياً في واقع المستقيلة حكماً منذ اجراء الانتخابات النيابية في أيار الماضي وتالياً لا يصح القول بقبول استقالة المستقيل أساسا لمرة ثانية، وحتى لو صح ذلك فإن قبول الاستقالة يرتّب تلقائياً ان تتحول الى حكومة تصريف اعمال.

والثاني ان مرسوم قبول الاستقالة لا يرد وحده في الدستور بل يكون مرافقاً لاصدار تشكيل الحكومة الجديدة وتالياً ليس هناك ما يسمى مرسوم قبول الاستقالة في حالة نهاية ولاية عون ولا مبرر له.
في ظل هذا الهذيان السياسي الذي يراد له ان يلبس لبوساً دستورياً ستذهب البلاد بعد صخب “يوم الوداع” العوني نحو التكيّف الخطير والمتجدد مع حقبة الفراغ الرئاسي التي يدخل معها لبنان احدى اكثر الحقبات غموضاً بحيث يصعب جداً تبني أي تكهن او تقدير حول المدة التي سيستهلكها الفراغ الرئاسي الجديد والذي تتضارب حياله بقوة هذه التقديرات.

ولا بد في هذا السياق من التذكير بأن عون وصل الى الرئاسة قبل ست سنوات من حقبة فراغ طالت سنتين ونصف السنة ولم يتسلم الرئاسة من أي سلف ويخرج من الرئاسة من دون ان يسلّم أي خلف لأن مجلس النواب لا يزال يدور في دوامة الإخفاق عن انتخاب رئيس جديد للجمهورية رغم عقده اربع جلسات انتخابية في شهري أيلول وتشرين الأول المنصرمين.

ومع انقضاء ولاية عون وانطلاقاً من بداية تشرين الثاني يتجه المشهد السياسي الى واقع يخشى ان يكون بمثابة تكيّف طويل المدى وليس قصيراً مع الفراغ ما دامت الوقائع السياسية لا توحي بأي امكان للتوصل الى تسوية تجمع العدد الأكبر من القوى والكتل النيابية حول مرشح رئاسي مقبول ويجمع مواصفات الواقع الذي يقتضي ان يصل عبره وليس مواصفات الرئيس النموذجي او الأقرب الى النموذجي اذا وجد. بذلك يغدو مستحيلاً تقريباً ان تصحّ تقديرات المتفائلين بفترة فراغ قصيرة لا تتجاوز الأشهر الثلاثة اذ ان هؤلاء يبنون تقديراتهم على ان ضغط الأوضاع الاجتماعية والمالية والاقتصادية وربما الاهتزازات الأمنية أيضاً من شانها التسريع في انتخاب رئيس جديد للبلاد. وهذا العامل يبدو مقنعاً جداً من الناحية النظرية والمنطقية ولكنه لا يستوي من الزاوية الواقعية حيث ستقف القوى السياسية في حالة استقطاب متزايدة اكثر فأكثر في مرحلة الفراغ من دون امكان الرهان على تطور ما كبير يدفع باتجاه التوافق او التسوية او قيام معركة ديموقراطية مفتوحة يتنافس فيها مرشحان او اكثر لانتخاب احدهم أياً يكن اتجاهه السياسي.

ولذا فإن بقاء حكومة تصريف الاعمال سيكون حتمياً وواجباً وضرورياً ولو ارتفعت شعارات امتناع وزراء من هذا الجانب او ذاك عن المشاركة في مجلس الوزراء. فهذا لا يعني مقاطعة العمل الوزاري او الحكومي بل فقط اجتماعات مجلس الوزراء في ما يعني رسم حدود لصلاحيات الحكومة بحيث “لا تأخذ راحتها” في الحلول مكان رئيس الجمهورية والاكتفاء بما تقوم به راهناً تماماً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات