Search
728 x 90

التفاهمات الاقليمية : البديل من دور اميركي مفقود

التفاهمات الاقليمية : البديل من دور اميركي مفقود

محاور اقليمية عدة بدأت ترى النور نتيجة الانكفاء الاميركي عن المنطقة، ابرزها أخيراً زيارة الرئيس التركي رجب الطيب اردوغان الى المملكة السعودية، منهية الشرخ بين دولتين سنيّتين مؤثرتين، كما تقدم الحوار الايراني- السعودي، وفق ما كشف رئيس الوزراء العراقي.

تنافس محاولات رأب الصدع بين دول المنطقة جملة تطورات بالغة الاهمية. ففي الوقت الذي شكل العمل بالاتفاق النووي مع ايران اولوية تقدمت على كل المسائل الاخرى، بحيث ان الرئيس الاميركي جو بايدن كان يريد انجازه قبل الانتخابات النصفية للكونغرس الاميركي في تشرين الثاني من هذه السنة والتي يرجح ان يخسر الديموقراطيون غالبيتهم لمصلحة الجمهوريين، ساهمت الحرب الروسية على اوكرانيا في فرملة هذا الانجاز اقله لبضعة اسابيع حتى الان.

تقدمت في المقابل محاور اقليمية على وقع الاتجاه لإعادة العمل بالاتفاق النووي ولاحقاً بالحرب الروسية على اوكرانيا اذ ان زيارة الرئيس التركي رجب الطيب اردوغان الى المملكة السعودية لم تردم الهوة التي اتسعت بفعل مقتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي في السفارة السعودية في اسطنبول فحسب، بل اسست لمرحلة تفاهمات يتوقع ان يكون لها تداعياتها على جملة مسائل وملفات في المنطقة ولا سيما في ظل انهاء الشرخ بين دول سنيّة في الاساس.

استحوذت التوافقات على مرحلة جديدة من الاستثمارات المتبادلة بين تركيا والسعودية، والمحادثات التي عقدها أردوغان مع العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز وولي العهد محمد بن سلمان كشفت توجهاً تركياً للانفتاح على دول اقليمية كان استهلها في اتجاه اسرائيل والامارات العربية فيما لم يخف الرئيس التركي رغبته في تطوير العلاقات مع مصر ايضاً. وقال اردوغان معبراً عن ذلك في طريق عودته “يتعيّن علينا الدخول في مرحلة جديدة مع الدول التي نتقاسم معها المعتقدات والأفكار نفسها، إنها مرحلة كسب أصدقاء وليس خلق أعداء”. ومع ان ثمة اعتبارات داخلية فرضت على اردوغان اعادة النظر في علاقاته الاقليمية وحتى الدولية وموازنتها على نحو يبرز اهمية موقع بلاده ودورها من بينها الوضع الاقتصادي الصعب وانهيار قيمة العملة في تركيا قبيل انتخابات صعبة تنتظره السنة المقبلة، فإن الاعتبارات المتصلة بالتداعيات غير المعروفة بعد الحرب الروسية على اوكرانيا وخلط الاوراق المرتقب في المنطقة بعد الاتفاق النووي والحوار السعودي – الايراني، لها اثرها الكبير ايضاً. اذ كان ولا يزال لافتاً ايضاً بالمقدار ذاته وربما اكثر تقدم الحوار السعودي – الايراني الذي اعلن رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي قبل ايام اقتراب الطرفين من التفاهم قريباً وذلك على اثر جولة من المحادثات الامنية بينهما في العراق.

ولا يمكن اغفال جوانب من التفاهمات الاقليمية عن السياسة الاميركية التي نأت بنفسها عن المنطقة من اجل الاهتمام بآسيا وصعود الصين اقتصاديا فيما ان ابتعاد الولايات المتحدة عن حلفائها التاريخيين في المنطقة ساهم في ولادة مساعي في المقابل لعلاقات اقوى مع من يقف راهناً في سقف الخصومة مع الولايات المتحدة الاميركية على غرار الموقف غير الداعم من دول الخليج العربي على سبيل المثال ولا حتى للدول العربية على نحو حازم مع الولايات المتحدة في وجه روسيا نتيجة حربها على اوكرانيا. وذلك فيما ان انفتاح اكبر من المملكة السعودية ومن حلفاء واشنطن في المنطقة على الصين وتعميق علاقاتهم معها يثير انزعاجاً في واشنطن على رغم محدودية التأثير من جانب الاخيرة لمنع ذلك بفعل توتر العلاقات بين الحلفاء المفترضين منذ وصول الديموقراطيين الى الرئاسة الاميركية قبل سنة ونصف.

والجدير ذكره ان العلاقات العربية والخليجية مع الادارة الديموقراطية الحالية تجرجر ذيولها من علاقات متوترة مع ادارة الديموقراطي السابق باراك اوباما الذي استهان بحلفاء الولايات المتحدة لمصلحة ابرام اتفاق مع ايران حول ملفها النووي بعد تشجيعه ما سمي ثورات الربيع العربي التي ساهمت في زعزعة بعض دول المنطقة وتركت تداعيات لم تنته بعد.
واقع الامر ان التفاهمات الاقليمية الجارية ما كانت لتستبق العودة الى العمل بالاتفاق النووي الذي يسعى اليه الرئيس بايدن لولا ان الولايات المتحدة لم تعلن كذلك نيتها الانسحاب من المنطقة. وقد ترك الانسحاب غير المدروس والفاشل من افغانستان اثراً بالغاً بحيث فقدت الولايات المتحدة ثقة حلفائها ولم تربح خصومها فيما ان الانقسامات الداخلية التي تعيشها تترك اثراً بالغاً على سياستها الخارجية وعلى ادارتها لأزمات عدة في المنطقة والعالم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات