Search
728 x 90

البابا فرنسيس في العراق بشائر تحرُّرٍ وتحرير!

البابا فرنسيس في العراق بشائر تحرُّرٍ وتحرير!

لم يصِل البابا فرنسيس العراق في توقيتٍ تقليديّ. الشرق الأوسط مشتعلٌ في صراع الأيديولوجيّات، وتواجه الخيارات. السِّمة العسكريّة في هذا وذاك عرضيَّة. ما هو قائمٌ من العراق إلى لبنان استنهاض لقِيَم الهويّة العربيّة بتشكّلاتها الدينيّة التعدّدية، كما بتفاعلاتها قواها المجتمعيّة المدنيّة الحيَّة. البابا فرنسيس من العراق يُطلق بشائر تحرّرٍ وتحرير من عُقَد تاريخيّة، إستَغلَّت الالتباساتِ فيها توتاليتاريّات وثيوقراطيّات، لتغتال الأخوّة الإنسانيّة في مهدِ الديانات التوحيديّة، بعيداً عن قبولِ أنّها ليست وحدها مَن تحتكر الحقيقة والخلاص.

زياد الصّائغ

خبير في السياسات العامة

حمل البابا فرنسيس بشجاعة الحكمة وصرامة الحقّ إلى العراق قناعاتٍ فاتيكانيّة روحيّة – إيمانيّة، ولاهوتيّة سياقيّة – دينيّة، وحضاريّة – إنسانيّة، حمل رمزيّة تحرّرٍ من الهواجس الأقلويّة والاستدعاءات الحمائيّة، وتحريرٍ للدّين، أي دينٍ، من إمكانيّة تغطية مسارات إقصاء الآخر بنهجٍ دوغماتيّ مُغلَق. بُتنا من اللحظة هذه في مرحلة “ما بعد العلمانيّة”، ومرحلة “ما بعد حوار الأديان”، لهذه المابعد في سِمتيها دلالاتٌ عميقة.

١– البابا فرنسيس و”ما بعد العلمانيّة”
من العراق أراد البابا فرنسيس التأكيد على أنَّ العلمانيّة بأيّ شكلٍ من أشكالها الصهريّة للتنوّع، أكان الصَهر فرضاً أو اختياراً، وهذا ما أنتجته في الفرض ديكتاتوريّات، وفي الاختيار أنساق تربويّة وقانونيّة متوسّطة وبعيدة المدى، هذه العلمانيّة انتهت لصالح الأخوّة الإنسانيّة، وفي هذا استعادة للقِيَم الإنسانيّة – الأخلاقيّة إلى الفضاء العام، بما لا يتعارض أبداً مع مقوّمات أيّ عقدٍ اجتماعيّ تسوده، فيما بين مكوّناته، موجبات المساواة في الحقوق والواجبات، بل هي هذه الموجبات تشكِّل نواة المواطنة الحاضنة للتنوّع، وبالتالي تعود الأديان بوصلة مؤسِّسة في بناء السلام وصَون كرامة الإنسان.
اللّقاء الذي جمع البابا فرنسيس في أور بالصائبة، والإيزيدييّن، والكاكائييّن، والزرداشتييّن، مع المسيحييّن والمسلمين وقال فيها: “لا يصدُر العداء والتطرّف والعُنف من نفسٍ متديّنة، بل هي كلّها خيانة للدّين”، هذا اللّقاء وهذا التعبير ثورة نقيّة لتحرير الدّين من مستلبيه المؤدلَجين إلى حدّ القتل باسم الله، لكنه أيضاً رسالة واضحة لِمن يعتبر من موقعه اللّاإيمانيّ واللّاتديّنيّ أنَّ الأديان مصدر حروبٍ وقلاقل، رسالة واضحة لهؤلاء بأنَّ معركة تحرير الدّين هي إنسانيّة مشتركة، ومن غير المنتِج التقابل بين العلمانيّة والتديّن في تبادل الاتّهامات في هذا السّياق، بل آن أوان التّلاقح الإنسانويّ بينهما لتعميم الكرامة الإنسانيّة والسّلام في حُسن إدارةٍ للتنوّع حيث لا إقصاء ولا تمييز ولا مُفاضلات.

2– البابا فرنسيس و”ما بعد حوار الأديان”
من العراق أيضا، وبعد تثبيت أسُس مرحلة “ما بعد العلمانيّة”، وبموازاة رمزيّة لقاء الأديان في أور، كان لقاء البابا فرنسيس مع المرجع الشيعي الأعلى آية الله السيّد علي السيستاني مكمِّلاً للقائه مع شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيّب، وتوقيعه معه على وثيقة الأخوّة الإنسانيّة في أبو ظبي (2019)، ما يُحرِّر أيضاً المُنعزلات المذهبيّة التي بنَتها داعش وحلفاؤها الموضوعيّون المدّعون مواجهتها جزافاً من سجونها التاريخيّة والعقائديّة، لتُمسي معاً في مرحلة “ما بعد حوار الأديان”، وتحديداً ذاك الحوار المسيحيّ – الإسلاميّ، وتتلاقى على محوريّة الإنسان – المواطن حيث لا أقليّة ولا أكثريّة. لا حلفَ أقليّات، ولا تسيُّد أكثريّات. تعاون أكثر منه حوار. سمبيوزٌ ما بين الأديان بالقِيَم الإنسانيّة المشتركة.

بموازاة كلّ ما سبق دعا البابا فرنسيس إلى تحرير المجتمع من الفساد بقدر وقف القتل باسم الله، وكأنّه يُدرك كيف يدعم أحدهما الآخر في دوّامةٍ جهنّميّة.
من ذاك العراق الجريح الثائر لَم ينسَ الحَبر الأعظم على وجه التأكيد كلّ الشرق الأوسط، وتحديداً لبنان، الذي قال فيه منذ شهرٍ ونَيِّف أنه يواجه “خطر فقدان هويّته”، ومن ذاك العراق الجريح الثائر كما لبنان، تحوّلٌ جيو-سياسيّ عميق قادم، يعيد إلى هذين البلدين بعد تحرّرهما نموذجيّة كونيّة في العَيش الواحد بين التعدّديّات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات