Search
728 x 90

البابا فرنسيس في العراق: اصلاح ما افسدته الحروب

البابا فرنسيس في العراق: اصلاح ما افسدته الحروب

تبدو مشقة كبيرة يخوضها البابا فرنسيس بخوضه غمار مغامرة صعبة في زيارته التاريخية المرتقبة الى العراق بين الخامس والثامن من الشهر الحالي وعلى خلفية رغبته في زيارة لبنان قريباً.

فالرجل المهيب الطاعن في السن والذي يتحدى زمن انتشار جائحة كورونا يزور بلداً يشهد يوميا تصاعداً لعمليات ارهابية او اعمال عسكرية في اطار التوتر الايراني الاميركي الذي يستخدم العراق ساحة له وفي ظل سعي ايران الى تثبيت نفوذها وسيطرتها على القرار الايراني عبر ميلشيات تشكل نسخاً مختلفة من ” حزب الله” اللبناني.
والامر يغدو اكثر اثارة للتحدي ليس على خلفية ان بعض هذه العمليات ربما رمى البعض من خلال تصعيدها الى تعطيل زيارة اعلى سلطة دينية كاثوليكية الى بلد اسلامي يصارع من اجل هويته العربية بعيداً من ايران، بل لأن هذه الزيارة التي من بين اهدافها تشجيع العيش المشترك كما تشجيع المسيحيين العراقيين على البقاء في العراق والصمود فيها قد لا تأتي النتائج المرجوة منها.
فالعراق المستنزف الذي خسر مسيحييه الى حد كبير، بحيث بات يقتصر وجودهم على مناطق محصورة ولا يزيد عددهم على 300 الف مسيحي، لم يعد يستطيع ان يقدم للمسيحيين او حتى للطوائف الاخرى كذلك الاطمئنان والعيش بكرامة كما يطمح جميع العراقيين. ويصعب القول اذا كان يستطيع البابا فرنسيس احياء الامل بالنسبة الى قدرة المسيحيين على العيش المشترك الكريم في عراق يواجه ما يواجهه لبنان من نفوذ واحتلال مقنع ايراني وعصبية طائفية ومذهبية تصاعدت بعد الحرب الاميركية على العراق والتخلص من صدام حسين.
ولكن الزيارة للعراق الذي يضم غالبية شيعية مسيطرة بتنوعها العراقي وتبعية بعضها لايران تشكل تحدياً من زاوية فتح ابواب مماثلة لتلك التي فتحها الكرسي الرسولي في دول ذات غالبية سنيّة . فكان للقائه القيادات الروحية والزمنية فيها مفاعيل ايجابية يأمل ان تنسحب على لقاء سيعقده مع المرجعية الشيعية علي السيستاني على رغم التعقيدات الكبيرة التي يشهدها العراق.
وما يحصل في لبنان على رغم جهود فاتيكانية مستمرة في بلد لا يزال يحتفظ بقوة الوجود السياسي المسيحي على رأس الدولة وزيارتين بابويتين لكل من البابا يوحنا بولس الثاني في 1997 والبابا بنديتكوس في 2012 تعزيزاً لوجود مسيحي لا يزال هو الاقوى والاكثر فاعلية بالنسبة الى توزع المسيحيين في دول العالم العربي على رغم وجود مسيحي راسخ واكثر عدداً في مصر ، يظهر وجود تحديات كبيرة بحيث ان التحالف السياسي مع القوى او الدول الفاعلة في المنطقة وضعهم غالباً في موقع الذمية السياسية اكثر من واقع التعايش الصحيح المشترك والكريم.
ومفهوم وواقعي ان يسعى الفاتيكان مدعوماً من دول عدة من اجل ابقاء المسيحيين في ارضهم وعدم هجرتهم الى الدول الغربية، لكن الواقع يغدو صعباً مرحلة بعد اخرى او عقداً بعد آخر على رغم مساعي رأب الصدع التي يقوم بها الكرسي الرسولي على مستوى زياراته الى دول المنطقة ورعايته مصالحات عملانية بين الطوائف.
وهذا الواقع لا يشكل دعوة لا الى تخلي الكرسي الرسولي عن مساعيه ولا عن يأسه من الاستمرار في المحاولة ولكن يخشى ان السباق الذي انخرط فيه يبدو صعب التحقيق في ظل الواقع المأساوي السياسي الذي يدفع بدول عدة للانزلاق الى ابعد من الصراع السياسي المباشر والغرق في تداعيات اقتصادية واجتماعية ومعيشية خطيرة جداً وغير قابلة للاحتمال.
فرسالة السلام التي يحملها البابا في زياراته غالباً ما تتجاوزها الحروب والصراعات على خلفية مصالح دولية تأخذ الاولوية على حساب الشعوب. هذا ما جرى في سوريا والعراق وفلسطين وحتى في لبنان . فما تقود اليه الكنيسة الكاثوليكية في العالم يدحضها التخريب السياسي على كل المستويات. ولكن لا يمكن توقع تخلي الفاتيكان عن رسالته في المنطقة من حيث ان ابناءها ليسوا متروكين لمصيرهم في مواجهة التطرف الديني او الهجرة او الحروب الداخلية. والزيارات الى الدول الاسلامية على مختلف مذاهبها تسهم في اختراق حواجز التعصب والطائفية والتطرف كذلك وتساعد ربما على تضميد الجراح وبلسمتها خصوصاً بالنسبة الى بلد كالعراق عانى الامرّين طوال العقود الثلاثة الماضية على التوالي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات