Search
728 x 90

الانهيار الأكبر ينذر بإشعال الفوضى الشاملة

الانهيار الأكبر ينذر بإشعال الفوضى الشاملة

يصح القول ان لبنان لم يقترب مرة من خطر فوضى ” غير حربية ” في زمن السلم ولكنها تحمل نذراً اشد خطورة من أي حرب شهدها كما اقترب منها في الأيام الأخيرة تحديداً .

تحبل الحالة الشديدة التأزم والذاهبة صعداً نحو مزيد من الانسداد السياسي والمزيد المزيد من الاختناقات المالية والاجتماعية بما يتجاوز خطر الانفجار الاجتماعي الى اشتعال فوضى مخيفة هي فوضى الجوع والفقر المحمولة بالموجة الجديدة من الانهيار المالي .
عرف لبنان في الثلث الأخير من الثمانينيات في القرن الماضي وبعد اكثر من عشرة أعوام آنذاك على اندلاع الحرب الانفجار المالي الأول مع التراجع الكبير في سعر الليرة وبداية صعود سعر الدولار في عهد الرئيس امين الجميل الذي طاردته هذه اللعنة حتى الان كإحدى أسوأ معالم عهده رغم كل التطورات المصيرية الضخمة التي واجهها .
ثم حصل الانفجار المالي الثاني الكبير في ربيع العام 1992 مع انهيار دراماتيكي آخر لليرة وارتفاع خيالي للدولار آنذاك أدى في حصيلته “التاريخية” اذا صح التعبير الى دخول الرئيس رفيق الحريري الى نادي رؤساء الحكومات من باب المنقذ التاريخي والرافعة الانقاذية للبنان من الدمار والإفلاس وإطلاق اكبر ورشة لاعادة إعماره بعد الحرب .
بعد الحريري، التصق الواقع المالي والمصرفي في لبنان بالحاكم “التاريخي” لمصرف لبنان الذي بات يطلق عليه عميد حكام المصارف المركزية في العالم نظراً لتجديد ولايته لثلاث مرات متعاقبة واشتهاره بسياسة الهندسات المالية التي أفادت منها المصارف اللبنانية لحقبة طويلة بمليارات الدولارات قبل ان ينفجر الانهيار المالي والمصرفي الثالث والاشد خطورة اطلاقاً من سلفيه وذلك اعتباراً من عام 2019، بما أدى كسبب أساسي الى اندلاع اكبر انتفاضة اجتماعية في تاريخ لبنان في 17 تشرين الأول من ذاك العام ولا تزال تردداتها متواصلة حتى يومنا هذا .
في الأسبوع الأول من آذار الحالي بدا لبنان على موعد مع ما يمكن ان يشكل الانفجار الاجتماعي الأخطر في ظل تخطي سعر الدولار الأميركي في السوق السوداء العشرة الاف ليرة لبنانية للمرة الأولى كسقف واقعي ومالي ونفسي في آن واحد، الامر الذي فجّر مجدداً موجات الاحتجاجات الشعبية ونزول المجموعات المحتجة الى الشارع والشروع مجدداً في عمليات قطع الطرق والأوتوسترادات وأوصال البلاد .
والحال ان الامر بات على درجة من الخطورة تفوق كل ما سبق وذكر أعلاه من تجارب نظراً الى مجموعة عوامل وأسباب جوهرية . يأتي في مقدم هذه الأسباب انه للمرة الأولى في تاريخ لبنان، ضرب الفقر مستوى غير مسبوق في صفوف اللبنانيين بما يتجاوز الستين في المئة على الأقل بنِسَب الفقر العادية والباقي تحت خط الفقر . بهذه النسب يصبح التخوف من اخطر فوضى قد تشتعل في أي لحظة اكثر من واقعي وحقيقي . ثم ان اللبنانيين يعانون منذ سنة تماماً أسوأ حقبات الركود والتراجع والإفلاسات نظراً الى تداعيات جائحة كورونا والاقفالات المتعاقبة التي فرضها الانتشار الوبائي.
واما اخطر الأسباب واشدها تسبباً باقتراب خطر الفوضى الشاملة فهو سياسي صرف ويتصل بوجود سلطة حاكمة لا تقيم وزناً لكل الكوارث الحاصلة ما دامت مصرّة على تحقيق أهدافها السياسية في كسر خصومها في مقابل قوى سياسية لا تمتلك الاستراتيجية الحاسمة القادرة على فرض تبديل نمط السلطة، وهو الامر الذي تجسدّه ازمة الصراع على تشكيل الحكومة العتيدة منذ خمسة اشهر .
تبعاً لذلك تتصاعد الخشية من ان يكون لبنان ربط مجدداً بمصير جهنّمي طالما طارده وهو ان يغدو ساحة او متنفساً للصراع الأميركي الإيراني او التسوية بينهما من خلال استرهان ازمة تشكيل الحكومة لهذا البعد .
واما الاحتمال الأسوأ في حال استبعاد الأول فهو ان لا يكون تشكيل حكومة جديدة متاحاً الا على الساخن ، بمعنى ان الانفجار الشعبي او الفوضى الشاملة وحدها ستجبر الجميع على الرضوخ لموجبات تسوية تستولد الحكومة، وحينها سيكون الثمن صار كبيراً جداً واكبر من قدرات أي حكومة تأتي على انقاض انهيار بهذا الحجم .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات