Search
728 x 90

الانكشاف في ملف المرفأ يطيح كل الثقة بالقضاء

الانكشاف في ملف المرفأ يطيح كل الثقة بالقضاء

تعززت حالة انعدام الثقة بالقضاء اللبناني عقب سابقة نادرة حصلت في المسار المعقد والغامض والمرتبك للتحقيقات القضائية الجارية في ملف انفجار مرفأ بيروت المزلزل الذي حصل في الرابع من آب من العام الماضي مخلفاً ما يوازي ضحايا وأضرار جولات حربية كبيرة .

على رغم تاريخ طويل في لبنان من المداخلات السياسية الشائنة والوقحة للسياسة والسلطة في القضاء فإنه نادراً ما جرى ان يعين محققان عدليان لا يفصل بين تعيين الأول والثاني بينهما اقل من ستة اشهر. حصل ذلك بعدما تعثر وتوقف التحقيق القضائي الذي كان يجريه قاضي التحقيق العدلي الأول في ملف انفجار المرفأ فادي صوان لمدة شهرين انتهت الى تنحيته عن الملف بعدما اخذت محكمة التمييز الجزائية بطلب لتنحيته قدمه النائبان في كتلة رئيس مجلس النواب علي حسن خليل وغازي زعيتر بداعي الارتياب المشروع بالقاضي، ثم عُيّن مكانه القاضي طلال البيطار رئيس محكمة الجنايات في بيروت الذي باشر النظر في ملف التحقيقات التي اجراها سلفه صوان وسيكمل مهمته منها .
والواقع انه بصرف النظر عن أحقية إزاحة المحقق العدلي الأول من عدم أحقيتها فإن النقطة المركزية التي تبرز من خلال هذا التطور الذي اخترق ملف انفجار مرفأ بيروت تتصل بأمرين أساسيين لا يفترض ان تحجبهما التفاصيل التي يغرق بها الاعلام المحلي اللبنانيين .
الأول هو مصير اكبر واخطر قضية تمس حقوق مئات الاف اللبنانيين المتضررين من زلزال انفجار المرفأ، والثاني واقع القضاء كنقطة متوهجة عبر هذا الملف فيما ينهار لبنان جراء استفحال الاهتراء والفساد فيه . في البعد الأول يمكن القول ان تعيين محققين عدليين في قضية انفجار المرفأ اثبت ان ثقل التداعيات التي خلفها الانفجار كانت اشد خطورة مما تراءى لكثيرين اذ أدت الى زلزال قضائي أيضاً بعدما أودت في حصيلتها بأكثر من 200 ضحية وستة الاف جريح ومئات الاف المواطنين الذين دمرت كلياً او جزئياً منازلهم ومحالهم ومؤسساتهم، الى مئات المباني العائدة الى شركات ومؤسسات عامة وخاصة .
هذه التركة المخيفة للانفجار التي مضى عليها ستة اشهر ونصف شهرعمّقت ازمة الثقة بكل ما تمثله الدولة ومؤسساتها اذ لم ينس اللبنانيون بعد ان أي مسؤول لبناني بدءاً من رأس الهرم رئيس الجمهورية العماد ميشال عون لم يتجرأ على القيام بجولة تفقدية للأحياء المنكوبة في وسط بيروت التي مزقها ودمرها انفجار مرفأ بيروت خشية تعرضهم للإهانات والمهانات والتهجمات من الناس الغاضبين وذوي الضحايا المفجوعين.
وجاء انكشاف اهل السلطة وعلى رأسهم رئيس الجمهورية بأسوأ الصور والأشكال والدلالات الشكلية والمعنوية والأخلاقية على يد الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون الذي بادر بعد يومين فقط من حصول الانفجار الى زيارة بيروت بدءاً بجولة على شوارع الأحياء المدمرة والمتضررة في محلتي الجميزة ومار مخايل حيث أقيم له حمام جماهيري فضح حالة العهد والسلطة في لبنان منذ ذاك الحين والى الان .
واذا كان هذا البعد لا يعني القضاء مباشرة بل السلطة السياسية فإن مجريات التحقيق القضائي بدت بعد ذلك كأنها تعميق إضافي لحالة الطلاق القائمة بين اللبنانيين والدولة من خلال الالتباسات الكثيفة التي شابت التحقيق العدلي في ملف الانفجار حيث طال اكثر بكثير مما يفترض وجرى تسليط الضوء على توقيفات لمسؤولين أمنيين وجمركيين وإداريين ولم تشمل أي خطوة عملية ضد أي مسؤول سياسي رغم طلب القاضي صوان مثول رئيس حكومة تصريف الاعمال ووزراء سابقين امامه .
بدا صوان كأنه يعمل على وتيرة الضغوط الإعلامية اكثر مما كان ينبغي ان يركز على النقطة الجوهرية التي لم يجب عليها التحقيق بعد رغم تناولها الكثيف من الاعلام العالمي وهي مَن هي الجهة او الجهات التي تورطت في تخزين حمولة باخرة مشبوهة من مادة نيترات الامونيوم في مرفأ بيروت ولحساب النظام السوري كما صار معروفاً ؟
عند هذه النقطة الأساسية تدور معظم التساؤلات المتصلة بالأمر الثاني الذي طرحه تعيين محقق عدلي ثان في هذه القضية في وقت قياسي . معنى استهلاك او اطاحة محقق عدلي اول والإتيان بمحقق عدلي ثان في اقل من ستة اشهر يكشف التداخل المرضي القاتل للسياسة في واقع القضاء اللبناني وانعدام استقلالية السلطة القضائية بما لا يحمل أي ضمانة قاطعة بأن تبديل قاضي التحقيق العدلي سيكون الخطوة الحاسمة المؤكدة نحو كشف الحقائق كاملة في هذه القضية أولا ولا تالياً ان تطال العدالة رؤوساً كبيرة في السلطة السياسية .
وفي أي حال يبدو الرهان في ادنى درجاته على ان يتمكن قاض لبناني، حتى لو امتلك جرأة قضاة عملية “الأيادي النظيفة” الذين قاموا بثورة قضائية في إيطاليا، ان يستطيع الذهاب بعيداً في مغامرته وسط السيطرة المطلقة للسلطة السياسية على القضاء .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات