Search
728 x 90

“الانجاز التاريخي” للترسيم الحدودي وغموض ابعاده

“الانجاز التاريخي” للترسيم الحدودي وغموض ابعاده

شهد لبنان خلال الاسبوع الاخير من تشرين الاول وقبل ايام قليلة انتهاء ولاية الرئيس ميشال عون وعلى انتخابات تشريعية في اسرائيل واقل من اسبوعين على الانتخابات النصفية للكونغرس الاميركي توقيع اتفاق ترسيم للحدود البحرية مع اسرائيل.

اتفاق وصفته الادارة الاميركية بـ” الانجاز التاريخي ” وجارها في ذلك كل من لبنان واسرائيل ودول عدة كالاتحاد الاوروبي والامم المتحدة وصولا الى”حزب الله” نفسه الذي عده امينه العام انتصاراً كبيراً ومعلناً انتهاء التدابير الاستثنائية والاستنفارات قائلا ” مع توقيع رسائل ترسيم الحدود البحرية اليوم واستكمال الخطوات الشكلية، نكون انتهينا من هذه المرحلة. وفي ما يتعلق بالمقاومة تكون المهمة قد انتهت وان ما جرى من البداية الى النهاية هو انتصار كبير للبنان “.

الحدث في حد ذاته شكل خطوة كبيرة بحيث ان الاعتراضات الداخلية على ما اعتبر تنازلاً من لبنان عن حقوق له لم تجد صدى كبيراً يمكن ترجمته ولا سيما مع اطلالات متواصلة لامين عام ” حزب الله ” لدحض اي تنازل وحصول لبنان على كامل حقوقه.
طغت على مضمون اتفاق الترسيم التداعيات السياسية ولا سيما في استمرار اعلان الادارة الاميركية نتائج هذا الاتفاق الذي يأتي بالامن والاستقرار لاسرائيل جنباً الى جنب مع القدرة على تزويد اوروبا بالغاز فيما ينقل لبنان الى مرحلة جديدة من استخراج ثرواته من البحر. يرى المراقبون في ذلك ومع اعلان نصرالله انجاز المهمة كما قال، انعكاساً غير مباشر للترسيم يفضي الى مرحلة هدنة طويلة على الحدود مع اسرائيل. ما اثار ويثير تساؤلات عن اثمان او صفقات غير مرئية لا يثق كثر بأنها غير موجودة.
فالمنحى غير المتوقع الذي ذهب اليه العراق بانتخاب رئيس للجمهورية في يوم الاعلان عن التوصل الى اتفاق على ترسيم الحدود مع لبنان وتكليف مرشح الاطار التنسيقي لتأليف الحكومة الذي اعلن عن تأليف الحكومة فعلاً في يوم التوقيع على الاتفاق بالذات لم يترك مجالا للشكوك بصلة رحمية بين هذين التطورين. فمنذ اعوام يعتبر البعض ان العراق بات على نظير لبنان وبما يشبه الاوعية المتصلة في ضوء النفوذ الايراني المعطل او المساوم. وكاد التوقيت المتزامن لتعيين جلسة انتخاب رئيس للجمهورية في كل من البلدين ان يجمع مرة اخرى بينهما لولا المفاجأة التي شكلتها الجلسة النيابية في العراق مسجلة اختلافا عن لبنان.

هذه الرمزية في المواعيد والرسائل التي تحملها لا يرى كثر انها تقع في اطار المصادفة. فلا مصادفة في مسائل مماثلة بل ان التوقيت في حد ذاته يشكل رسائل ينبغي عدم تجاهلها على الاقل. فالبعض يرى ان التطور العراقي ترجمة وانعكاس لاتفاق ترسيم الحدود الذي لم يفصل سياسيون كثر بين المرونة التي ابداها “حزب الله”، وان لاسباب خاصة واخرى لبنانية، وعدم معارضة ايرانية لذلك او ربما انخراط ايران في صفقة البيع والشراء على هذا الصعيد ولا سيما ان العراق اهمّ بكثير لايران التي يهمها عدم الخسارة او التراجع فيه.

والتحولات العراقية في اتجاه امتلاك الاطار التنسيقي الموالي لايران اليد العليا على رغم الهزائم التي مني بها لا يجب الاستهانة بها في منظار التطورات في العراق و في مغزاها كذلك. يسأل كثر اذا كانت بدأت معالجة الشق المراد معالجته في العلاقة مع ايران اي نفوذها في المنطقة في زمن تراجع الكلام او حتى التقدم في موضوع العودة الى العمل بالاتفاق النووي. فالصمت مطبق على هذا الصعيد فيما تتحرك الامور لبنانياً وعراقياً فيما كان الانتظار قوياً لتداعيات العودة الى العمل بالاتفاق النووي وليس العكس اي ان تستبق تطورات لبنانية وعراقية حصول الاتفاق النووي فعلا.
هذان العاملان اي الترسيم والمشهد العراقي من حيث صلتهما او عدم صلتهما في ظل عدم اتضاح الصورة كلياً وتوافر المعطيات التي تسمح بالجزم بأي من الاحتمالين حتى الآن، ظهرا كإطار اساسي للمرحلة المقبلة. ثمة متغير اساسي في انتقال “حزب الله” ومن ورائه ايران طبعاً الى هذا الموقع وهل هو نتيجة ايضاً لجملة اعتبارات من بينها الاحتجاجات المتحدية لنظام الملالي في ايران على نحو غير مشهود وكيف سيترجم في استكمال إيران “انتصارها” في العراق في الاستحقاقات الدستورية المقبلة في لبنان؟

هل سيأتي الحزب برئيس للجمهورية موال له كما فعل في 2016 ليذهب لبنان إلى راديكالية أكبر على وقع استثمار الانطباع بأن عاملي الاستقرار والأمن اللذين سيتوافران لإسرائيل نتيجة اتفاق الترسيم، يعنيان أن الثمن سيترجم أننا أخذنا العراق وسنأخذ لبنان أيضاً أو الحصة الأكبر فيه في مواصلة للخط البياني منذ 2016، أم أن الأمور ستأخذ منحى مختلفاً اذ يظهر الحزب دعوة الى رئيس توافق لا يشكل تحدياً لأحد كنتيجة للفشل الدوي للعهد العوني؟
ما ليس واضحاً حتى الان في استثمار انجاز الترسيم الحدودي ماذا ستعني الرعاية المستمرة للولايات المتحدة لتنفيذ اتفاق الترسيم ستُرسي توازناً سياسيا ًفي الساحة الداخلية، وماذا يعني دخول المملكة السعودية على خط الدفاع عن المحافظة على اتفاق الطائف علما ان الدول الخليجية لم تصدر اي موقف من اتفاق الترسيم الحدودي مع اسرائيل كما فعلت الدول الاوروبية مثلا؟
النقطة الاساسية ان التحول الذي حصل يراه كثر تحولاً استراتيجياً. ولكن تسارع التطورات في لبنان المتمثلة في خروج العهد العوني والحليف الاساسي لـ “حزب الله” من السلطة تلقي بغبار كثيف يمنع الرؤية لجهة الحصول على اجوبة على التساؤل ما اذا كان الحزب لن يستطيع استعادة عهد رئاسي مماثل يؤمن التغطية السياسية له فسعى الى تحصين نفسه بمسائل اخرى، او انه مدرك ايضاً لعدم امكان نهوض لبنان سوى عبر طريق ترسيم حدودي مع العدو الاسرائيلي يسمح بالاستثمار الاقتصادي في ثروات لبنان المفترضة.

والاسئلة الاخرى تتوالى: هل ورقة سلاح الحزب تبقى فاعلة براً وليس بحراً بحيث يمكن التلويح او التهديد بحرب ما دام لبنان وإسرائيل اتفقا على مقاربة توزع أو تقاسم الحقوق الاقتصادية ويمكن لأي تطور بري حدودي ان يؤدي الى مخاطر اكبر؟ ومن أجل أي شعار أو قضية سيتم الذهاب إلى أي عملية أمنية حتى في إطار التهديد ليس إلا باعتبار أن الحزب الذي يقول إنه ساهم مساهمة كبيرة في الإنجاز النفطي من أجل إنهاض البلد، سيكون صعباً عليه اطاحته .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات