Search
728 x 90

الاعتراض الذي اخترق ممنوعات الحزب وسلاحه

الاعتراض الذي اخترق ممنوعات الحزب وسلاحه

قد يصحّ ان المغالاة في التعويل على حادث نادر وربما املته ظروف انفعالية تتعلق بلحظة حصوله لا يجوز ان يُبنى عليها توقعات وحسابات سياسية عريضة وثابتة . ومع ذلك فإنه من الخطأ المماثل أيضاً وربما اكثر زرع الرؤوس في الرمال والتعامي عن دلالات تبدو اكثر من طارئة للحادث الذي شهدته بلدة شويّا في قضاء حاصبيا يوم اطلقت “المقاومة الإسلامية” رشقات صاروخية على مزارع شبعا المحتلة من إسرائيل.

والحال ان دلالات اعتراض عدد من أهالي شويّا ذات الغالبية الدرزية لمجموعة عناصر “حزب الله” التي اطلقت الصواريخ لدى عودتهم من مكان اطلاق الصواريخ ومصادرة راجمة الصواريخ لا يمكن ادراجها في خانة تقليدية مبسطة والنأي عنها بمنطق تخويني متحجر كالذي دأب الحزب واعلامه كما الكثير من حلفائه على اتباعه في التعاطي مع أي خرق او تجاوز للممنوعات التي فرضها الحزب على البلاد والخطاب السياسي والإعلامي منذ بدأ يتحكم بالكثير من الأمور ومنذ فرض تلك الثلاثية الشهيرة قسراً على البيانات الحكومية “الجيش والشعب والمقاومة”.
فمعالم التمرد على ممنوعات الحزب لم تبدأ بالأمس مع حادث شويّا تحديداً ولو انه يكتسب دلالات استثنائية للغاية، بل ان الكثير مما شهدته البلاد منذ سنتين يُعتبر في جزء كبير منه اسقاطاً لمنطق الممنوعات التي املاها الحزب لفترة سواء قسراً بقوة ميزان قوى مختل لمصلحته ام عبر ممارسات ترهيبية ومرات مسلحة مثل عملية اجتياح بيروت الغربية في 7 أيار 2008.
صحيح ان الانتفاضة الكبيرة في تشرين الأول 2019 كانت ضد القوى السياسية قاطبة لكن ثمة جزءاً بارزاً يتصل بحركة الاعتراض على نفوذ ايران من خلال حزب الله طبع ولا يزال يطبع تنظيمات وجماعات أساسية في هذه الانتفاضة وحركتها وهي على صلة قويّة بناشطين في عالم الانتشار اللبناني وتتكئ خصوصاً على دعم قوي من الموقف الدولي الذي ينادي بتنفيذ القرارات الدولية ولا سيما منها القرار 1559 الذي اعادته الانتفاضة بقوة الى الضوء . حتى انه يمكن القول ان جريمة اغتيال المفكر والكاتب والناشر والناشط السياسي لقمان سليم على ارض الجنوب وفي مناطق نفوذ “حزب الله ” كانت سلّطت اشد الأضواء سطوعاً على ظاهرة تمردية على سلاح الحزب ومشروعه وسلوكياته وسط اتهامه علناً وضمناً باغتيال احد اشهر واقوى خصومه، ولو ان أي شيء لم يبرز بعد في التحقيقات القضائية في هذه الجريمة التي لا شيء يضمن ان مصير التحقيق فيها سيكون اوفر حظاً وافضل حالاً من سائر جرائم الاغتيالات ومحاولات الاغتيال التي طاولت رموزاً ونخباً سياسية وصحافية من قوى واتجاهات سيادية مناهضة لـ “حزب الله”.

ومع ذلك فإن دلالات حادث شويّا تكسب هذا التطور خصوصية لعلّها الأشد اثارة لقلق وغضب “حزب الله” الذي جاءته هذه الانتكاسة لتشوّش على تباهيه بأنه بقصفه الذي اعلن عنه وتبناه لمزارع شبعا انما كان يعيد افهام إسرائيل بأنه لن يدعها تكسر قواعد الاشتباك السارية منذ عام 2006 لمصلحتها وانه أعاد تقويم معادلة توازن الردع ولو من دون التسبب بحرب مع إسرائيل لا يسعى اليها ولكنه جاهز لها ان فرضتها إسرائيل.
والامر الأشد اثارة لإزعاج الحزب ان الاعتراض جاء من “ارض المقاومة” التقليدية وليس من أي مكان يمكن الانقضاض عليه بمفردات التخوين التي يسهل تسديدها الى خصوم الحزب. وقد رسمت اللحظات التي أعقبت حادث مصادرة عدد من أهالي شويّا لراجمة الصواريخ معالم مأزق جدّي تداخل فيه الخوف من اثارة حساسيات مذهبية شيعية – درزية مع الخشية من صدامات امنية، ولكن هذا المحظور لم يحصل بفعل مسارعة زعماء الفريقين الى استدراك تداعيات بعض الإشكالات التي حصلت في صيدا وعاليه.
ورغم احتواء الحادث مكابر من سينكر خطورة وأهمية عنوان اعتراضي كهذا خرق ممنوعاً ضخماً من نوع الجهر برفض سلاح الحزب وتحكّمه بقرار الحرب والسلم وحياة اللبنانيين في أسوأ ظروفهم التاريخية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات