Search
728 x 90

الاعتبارات المتغيرة بعد سنة على 4 آب

الاعتبارات المتغيرة بعد سنة على 4 آب

تبين للدول التي تركت لبنان اسير تخبط زعمائه ولانهيار محتمل لا بل مؤكد تحت ذريعة ان الانهيار سيأخذ بدربه الطبقة السياسية العفنة والجشعة والفاسدة التي ادارت البلاد بعد الحرب الاهلية، ان هذا الطموح لن يتحقق.

ففي المحصلة التي ظهرت مبكراً في ما آل اليه الوضع في لبنان تتداخل اعتبارات متعددة:
اولا : ان المخاوف الخارجية تصاعدت في شكل خاص على اثر الحرب الاخيرة بين اسرائيل وحماس في غزة حيث تبين من المساعدة التي قدمها “حزب الله” للحركة التي سرعان ما اصدرت بيانات شكر لكل من ايران والحزب بعد انتهاء هذه الحرب، ان لبنان قد يتحول بفعل تفككه وانهياره الى بؤرة لتصدير مشاكل اضافية في المنطقة . اذ اعتقد الغربيون ان تأمين صمود اللبنانيين نوعاً ما عبر مساعدات تقدم لهم قد لا يمنع على الارجح قيام ثورة لبنانية تطيح بالطبقة السياسية وتؤدي الى تجديدها. في حين ان ما حصل بالنسبة الى غزة كان نقطة تحول جوهرية ولا سيما في المقاربة الاميركية التي كانت فاترة اذا صح التعبير ولا سيما في ظل ادارة اميركية جديدة بدأت بمشاكل داخلية وخارجية اهم بكثير من لبنان. بالاضافة الى ان الوضع اللبناني كان في عهدة فرنسا منذ انفجار المرفأ في بيروت في آب من العام 2020.
ان المبادرة الفرنسية في حد ذاتها قد فشلت فشلاً ذريعاً حتى لو ان انها كانت مسنودة اميركياً من حيث المبدأ. حين انطلقت هذه المبادرة قبل شهرين من انتهاء ولاية الرئيس دونالد ترامب حظيت بدعم كلامي مبدئي في الوقت الذي اسفر الوقت الفاصل عن تسلم الادارة الاميركية الجديدة في شباط عن انكشاف فرنسا وعجز الرئيس ايمانويل ماكرون عن اظهار القوة على حمل زعماء لبنان عن التجاوب مع مبادرته متسببين بهزيمة معنوية كبيرة لفرنسا التي اضطر رئيسها وتحت وطأة التزامات قطعها للشعب اللبناني بعدم تركه مواصلة ما انتدب نفسه لاجله انما باحتمال هزيمة مدوية باعتبار ان لبنان وهو الابن المدلل لـ” الام الحنون ” وهي التسمية التي يطلقها اللبنانيون على فرنسا المنتدبة سابقاً على لبنان والتي كانت وراء انشاء لبنان الكبير بصيغته الحالية قد خذلها. لا بل ادت الخلافات مع واشنطن مبكراً حول المقاربة الفرنسية المتساهلة ازاء “حزب الله” الى تفاقم ما يمثل تحدياً صعباً للرئيس الفرنسي ولا سيما بعد عقوبات فرضتها اميركا على ثلاثة وزراء سابقين من بينهم صهر رئيس الجمهورية جبران باسيل.
ثانيا : ان الدخول الاميركي على خط الازمة اخذ بعداً جديدا ًمن زاويتين على الاقل : الاولى هي قدرة واشنطن على جذب المملكة السعودية الى العودة الى الانخراط في لبنان مجدداً بناء على اجتماع ثنائي جمع بين وزير الخارجية الاميركية انتوني بلينكن ونظيره الفرنسي جان ايف لودريان في ايطاليا على هامش اجتماع مجموعة العشرين ودعي اليه وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان . وهنا يبرز تحول على خلفية ان فرنسا التي كان ينوي رئيسها زيارة السعودية في وقت ما في الاشهر الاخيرة والتي كان سيشكل لبنان محوراً من محاورها لم تتحقق.

فالسعودية ابتعدت عملانياً عن اي اهتمام بلبنان منذ سنوات على اثر التحول السياسي الذي حصل مع عهد ميشال عون في انتقال لبنان سياسياً اكثر الى المحور الايراني في ظل مواقف ابتعدت كثيراً عن الدول العربية، ما اعتبرته المملكة المزيد من سيطرة “حزب الله” ونفوذه على القرار اللبناني .

اما الزاوية الاخرى فتتمثل في واقع استلام اميركا القيادة فعلاً في الشأن اللبناني ولو انها تظهر منسقة وشريكة مع فرنسا في هذا الاطار. ولكن ما يحصل ان الدخول الاميركي على الخط يحقق توقعات الكثر ومعرفتهم بأن اوروبا لم تعد تملك الكثير في المنطقة وان من يرغب في البيع والشراء سياسياً في المنطقة انما ينتظر ان يفعل ذلك مع الولايات المتحدة وليس مع فرنسا او الدول الاوروبية .
ثالثا : يغري الدخول الاميركي على الخط والساعي الى استدراج المملكة السعودية الى الانخراط في لبنان مجدداً ايران للدخول على الخط بقوة في حال شاءت الولايات المتحدة الدفع جدياً وفعلاً في اتجاه تأليف حكومة جديدة . ففي هذه الحال ستفتح التفاوض الذي تنتظره على الحكومة فيما سرى طويلا ان اجهاض محاولة الرئيس سعد الحريري تأليف الحكومة ارتبط بعدم قبول ايران سعي الولايات المتحدة الى الفصل بين الملف النووي وملف النفوذ الايراني في المنطقة. اذ جربت الولايات المتحدة باكراً اعطاء مؤشرات تمثلت في رفع الحوثيين عن قائمة التنظيمات الداعمة للارهاب ولكن كانت خطوتها بمثابة رصاص خلبي اي ذلك الذي يطلق في الهواء من دون اي مفاعيل.

فواشنطن التي اختبأت وراء فرنسا خلال الاشهر الاخيرة لعدم احتلال لبنان اولوية لديها وانشغالها بأولويات اخرى، عرفت دوما ان المطلوب تأليف حكومة في لبنان . وهي طالبت بذلك في كل مواقفها ولكنها لم تضغط بما يكفي لذلك لعدم الرغبة في الدخول في اي بازار حولها ولا سيما مع ايران .
رابعا: باتت المخاطر المحدقة من جراء احتمال تخطي تداعيات الانهيار والفوضى حدود لبنان الى دول المنطقة عاملاً اساسياً في تغيير المقاربة من الازمة بعد سنة كاملة على انفجار مرفأ بيروت . ولكن تبقى التساؤلات اذا كانت الدول المعنية وضعت ثقلها من اجل الدفع نحو تغيير المسار في لبنان ام لا . وهذا يرجح ان يتبلور في فرصة تأليف الحكومة وتأمين انطلاقها علما ان السيناريوهات البديلة تبدو مفزعة للخارج .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات