Search
728 x 90

الإندفاعة الفيديراليّة إغتيال النّظام وتعويم المنظومة!

الإندفاعة الفيديراليّة إغتيال النّظام وتعويم المنظومة!

لَم تكُن ولادة لبنان الكبير صدفة. النّظام التشاركيّ فيه في صيغةٍ متوازنة أبعد من مزاجيّةٍ زعاماتيّة كان. الميثاق الذي حسم خيار اللّاشرق واللّاغرب، بمعنى اللاّإنحياز، عدا عن قضايا الحقّ والعدل والسلام أتى على عمقٍ من الإبداعيّة. ليست هي الصّيغة ولا الميثاق من ولَّدا الأزمات المتتالية. كثيرٌ من الانفعالات المحليّة والاستقطابات الماوراء-حدوديّة، ناهيك بتعقيداتِ الجيوبوليتيك، والارتهانات التي هي ضدّ الصّيغة وضدّ الميثاق أودَت بنا إلى هنا، حيث جهنّمٌ وُعِدنا بها، ودُفِعنا إليها بمنهجيّة خبيثة.

زياد الصَّائغ

خبير في السياسات العامة

مفاد هذا التقديم اندفاعةٌ فيديراليّة جديدة يَخوضها بعض الأكاديمييّن الأنقياء المُحترفين، يصوِّبون فيها على خللٍ بنيويّ في النظام السياسيّ بحُجج منطقيّة مدعَّمة بوقائع تاريخيّة، ومُستلهَمةٍ من نماذج في إدارة التعدّديّة على امتداد العالم. ليست هذه الاندفاعة بمُستجِدّة وليس فيها جديدٌ، فثمّة في الأدبيّات اللبنانيّة السّياسيّة، والثّقافيّة، وحتّى الروحيّة ما هو أعمق ممّا يُطرح في هذه الآونة. والحقيقة أنَّ إصرار الآباء المؤسّسين على بُنيانٍ تشارُكيّ في تلاقٍ على سمبيوزٍ دينيّ مُفترضٍ في المواطنة، هو الذي جعل من هذا الوطن رسالة. سوء إدارة الصّيغة بل استغلالها، والانقلاب على الميثاق وتدميره، هُما الخطيئة الموجِب مواجهتها بعيداً عن تشكيل خطوط موازية تتناقض وهويّة بلد الأرز.

في هذه العُجالة من المُلِح التنبُّه إلى أنَّ العالم بأسره بات يتّجِه إلى بحث أفضل خيارٍ في المواطنة يحمي التنوّع، بما يتحاشى الانزلاق في بناء المعازِل هُنا. إستحضار تجربتَيّ سويسرا وألمانيا أكثر من مفيد، لكنّ استدعاء النّماذج المشرِقة من التّجربة اللبنانيّة في العيش الواحِد أكثر من مفيدة أيضاً. هذا في المفاهيم التأسيسيّة التي صنعَت فرادة لبنان. وبالتالي تشتيت التّصويب على المنظومة بادّعاء أزمة نِظام يقتضي من مُنتجيه، ولو بحُسن نيّة، تدقيقاً استراتيجيّاً.

وادِّعاء أزمة النظام حليفٌ موضوعيّ لاستئساد المنظومة في إعادة إنتاج عصبها باستنفار الخصوصيّات على حساب المشتركات، وهذا ما دأبت على مواجهته قوى ثورة 17 تشرين بالانتلجنسيا الفاعِلة فيها. الديكتاتوريّات العلمانيّة أو الثيوقراطيّة تتقاطع مع فلسفة تشييد عمارات العزل باسم صَون الخاصيّات الهِوياتيّة. وبالتّالي، وفي أبعد من استباحة السّيادة الذي يُمارسه استقواءٌ بأيديولوجيا مسلّحة إستزلمَت أتباعاً من كلّ الانتماءات والتوجّهات، أو خوَّفَت بعض من كان يجِب أن يناضل في رأس حربة فتُراه اختار التكتيك وتدوير الزّوايا، تتبدّى الاندفاعة الفيديراليّة معنيّةً بالتفكّر الاستثنائيّ في أنَّ أكبر خدمةٍ لهذا الاستقواء تتمثّل بإنهاء الهويّة اللبنانيّة، وتغيير اختبارها التاريخي.

العيش الواحِد في دولة مدنيّة تسودها المواطنة الحاضِنة للتنوّع مع لامركزيةٍ تنمويّة ولاحصريّة إداريّة وحياد إيجابيّ فاعل، هذا ما يجب أن نعود إليه تحقيقاً لاتّفاق الطائف مع تطبيق المادة 95 من الدستور، وإنشاء مجلس شيوخ. ما احتواه الدستور يستأهِل احتراماً لا تهكُّماً في ساركاستيّة يغوص الفيديراليّون في توجيهها إلى القائلين بلُبنان الرّسالة. كم من خطأ شائع يُرتكب باسمك يا فيديراليّة!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات