Search
728 x 90

الأوهام الامبراطوريّة ومآزق الهويّات السياديّة!

الأوهام الامبراطوريّة ومآزق الهويّات السياديّة!

خرج الاستبلشمنت الرّوسيّ عن طَوره البراغماتيّ. عاد إلى أيديولوجيّةٍ حديديّة لكنها مُغلّفة ببركة دينيّة. ليس العدوان على أوكرانيا، بحسب القانون الدّولي، سِوى دَوسٍ على هويّة دولةٍ سيّدة لها الحقّ بالحياة قانونيّا.

زياد الصَّائغ

خبير في السياسات العامة

 قبلها، كان هذا القانون الدّولي أيضاً، يتعرّض لانتهاكٍ صارِخ مِمنّ يدّعي اليوم حمايته. لكنّ الفالِق زلزاليٌّ بين مُربَّعٍ يُخضِعه الرأي العام للمُساءلة والمحاسبة، وآخر يشهد عليه العالم في أوكرانيا أبعد من أمنٍ قوميّ روسيّ افتراضيّ يسوح بآلة دمارٍ تعتمد الأرض المحروقة بوصلة. أوهامٌ امبراطوريّة تطفو من جديد على سطحٍ هشٍّ من انسداد الأُفق الحضاريّ الحواريّ. ليس بالإمكان قَصر قرار فلاديمير بوتين اجتياح أوكرانيا بالمُعطى الجيو-سياسيّ، والاقتصادي-الحيويّ. في كواليس الاستبلشمنت الرّوسيّ من يُنظِّر لإعادة إنتاج ثُنائيّة قُطبيّة عالميّة ذات بُعدٍ دينيّ تعدّديّ. لَم يرُق حتى الآن لروسيا الاندفاعة الغربيّة في تشكيل حِلف مواطنةٍ عابر للحدود يربط قِيَماً مشتركة بمصالح مشتركة، وهي ما زالت تستنقِع في فلسفاتٍ على شاكِلة المسألة الشرقيّة بالأقلويّات المتصارعة، تسعى من خلالها التغلغل والتَّسيّد منتهزةً انعدام التوازن بين خصوصيّات الهويّات السياديّة من ناحية، وسقوط الحدود فيما بينها من ناحيةٍ أُخرى. أبعد من ذلك، يتبدّى سؤالٌ محوريٌّ نابعٌ من مقاربةٍ دقيقة من أنّه من غير المسموح تمدُّد هذا الحِلف أبعد من بوتقته الحضاريّة التقليديّة المُشارفة على المحيطات، وبمعنى أوضح ممنوعٌ تمدّده إلى دواخل القارة الأورو-آسيويّة المتواصلة.

قد يعتبر البعض أنَّ في ما سبق الكثير من تهويلٍ بأنَّ رُقعة المواجهة تحتمِل التوسّع الحضاري، وستكون انعكاساتها مدمِّرة على كلِّ التشكُّل الدّوليّ الذي انتظم بسقوفٍ مضبوطة الإيقاع بعد الحرب العالميّة الثّانية، على الرغم من اشتباكاتٍ عنفيّة بالأصالة أو بالوكالة إبّان الحرب الباردة، لكنّ الحقيقة أنَّ ارتفاع منسوب الحديث عن تهديدٍ مباشر تتعرّض له قِيَم العالم الحُرّ الليبراليّ، وبالتالي تقويضِ للهويّات السياديّة في الاتّحاد الأوروبي التي ضمنت ائتلافها على قاعدة احترام الحقّ المدنيّ، والحقّ الاقتصاديّ، والحقّ الاجتماعيّ لكل مواطنيها مع صَونِ فرادة كُلٍّ من هذه الهويّات، هذه الحقيقة تشي بأنَّ المُعادلة أكثر تعقيداً من إمكان قصرِها بصراعٍ على النفوذ، خصوصاً مع تعبئة مرتزقةٍ للقتال إلى جانب خيار ستالينيّ مستعاد.

في كلِّ هذا يتبدّى سؤالٌ شديد الحراجة مرتبطٌ بتوضُّح انتهاء الدّور الناظِم للأمم المتحدة، وتحديداً مجلس الأمن، في وَقف أيّ عدوانٍ على دولةٍ عضوٍ تلتزِم مواثيقها. من هنا لا بُدَّ من التفكّر العميق في طبيعة ما تفترضه المرحلة المقبلة من استعادةٍ لبنيويّة دَور هذه المؤسّسة، وفي صُلب هذه الاستعادة إنهاء مهزلة حقّ النقض، فهل من يتولّى زمام مبادرة حضاريّة نبيلة مماثِلة؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات