Search
728 x 90

الأمان الإنسانيّ للبنانيّين والأمن القوميّ للبنان!

الأمان الإنسانيّ للبنانيّين والأمن القوميّ للبنان!

لبنان يتعرّض لجريمةٍ منظّمة هدفها إلغاء هويّته وتعديل صيغة كيانه. غياب منظومة أمنٍ قوميّ يعمِّق إمكانيّة تصعيب المواجهة مع مُريديّ الإلغاء والتعديل. واللبنانيّون يخضعون لجريمةٍ منظّمة، بالتّالي هدفها تطويع إرادتهم وتسخيرهم في دوّامة حسابات السُلطة حاكِماً، ومتحكِّماً، وراعياً.

زياد الصائغ

خبير في السياسات العامة

غياب منظومة أمانٍ إنسانيّ بامتدادتٍ صحيّة، واقتصاديّة، واجتماعيّة، وثقافيّة، وسياديّة، وقضائيّة، وقانونيّة، ودستوريّة تُرسِّخ إتاحات تفوّق السُلطة في هذه المواجهة ولو إلى حين. الجريمتان اللّتان تلتقيان على اغتيال لبنان الحضاريّ، وشعبه المستنزف من مساراتِ الصّمود والانتفاضة المستدامة، توجبان بحثاً معمَّقاً في جذور الأزمة التي نعيش أكثر منه في عوارضها.

البحث المعمَّق في الجذور في مُستنقع موتٍ يتعمَّم يحجب كثيراً من وضوح الرؤية من ناحية، ويُثخِن جِراح الألم الوجوديّ من ناحيةٍ أُخرى. القساوة التي تنهش حياتنا وطناً وشعباً تقتضي استئصالاً راديكاليّاً.

قد تكون نجحت ثورة 17 تشرين خلال عامٍ، وفي هذا إنجازٌ من باب تحمُّل المسؤوليّة الوطنيّة والتاريخيّة، قد تكون نجحت في تعرية المنظومة الحاكِمة من شرعيّتها ومشروعيّتها، حتى إنَّ العالم العربي الشّقيق والمجتمع الدّولي الصّديق، وعلى الرّغم من تضييقهما على لبنان السُلطة، ولهما كلّ الحقّ في ذلك، تمكَّنا من إرساء معادلة لبنان – الشَّعب في مواجهة لبنان – السُّلطة، من خلال توجُّههما لدَعم المجتمعَين الأهليّ والمدنيّ على المستويات الإغاثيّة – التنمويّة، وكان واضحاً ذلك بعد تفجير مرفأ بيروت الإجراميّ. المعادلة القائمة هذه تؤكّد السقوط المدوّي للشرعيّة التمثيليّة للسُّلطة، لكن أيضاً تميط اللّثام عن استغلال السُّلطة لشرعيّة دستوريّة مزيّفة، إذ لا شرعيّة تقوم بالحقيقة الفاعِلة إن لم يكن مصدرها النّاس.

في ما سبق تتفوّق القناعة في تقديري لدى إنتلجنسيا الثّورة أنَّ إعادة تكوين السُلطة بما هي مهمَّةٌ نبيلة، لا بُدَّ من أن يتوازى مع مسار إعادة بناء الشخصيّة اللبنانيّة، وإعادة إنتاج حوكمةٍ سليمةٍ منتِجة للصِّيغة اللبنانيَّة بما هي خيارٌ ونهجٌ في المواطنة الحاضنة للتنوّع. هنا يكمُن أهميّة قيام أيّ تحالفٍ أو ائتلاف مدنيّ وطنيّ عريض، بحيث لا يستقي المُعطى التكتيّ الانتخابيّ فيه المساحة البنيويّة، ولو أنَّ الاستيلاء على السُلطة طموحٌ مشروع في أيّ منحىً ثوريّ، لكنَّ هذا الطموح لا بُدَّ أن يتواكب بوحدة في الرؤية والقيادة والبرنامج. هذه الوحدة تبقى بيت قصيد تحقيق الأهداف التغييريّة الكبرى حيث إنقاذ العدالة، وتفويق السِّيادة، وتنفيذ الإصلاحات البنيويّة، وكلّ ذلك ربطاً بروحيّة الدستور وموجبات العقد الاجتماعيّ بين اللبنانيّين، حيث يشكِّل كل هذا ضمانةً استباقيّة لأي سُلطةٍ آتية أنها تحمِل مشروع دولة، لا نَهَم تسلُّط.

قد يعتبر البعض، وبالعودة إلى الحاجة المُلِحّة للتحرّر من السُلطة القائمة حاكِماً ومتحكِّماً، أنَّ إنقاذ لبنان يمكن أن يُقصَر بإعادة تكوين السُلطة، فيما أنّه ينبغي على الثَّورة، بانتلجنسيتها وناشطيها، الاقتناع بأنّ المسألة أعقد بكثير من ذلك. لا ترَف في الوقت. ولا عبثيّة في الخيارات. لبنان يمتلِك كلّ مقوّمات النهوض، واللّبنانيّون قادرون على بلورة أمانهم الإنسانيّ وأمنهم القوميّ بالأسس الهيكليّة. عدا ذلك سنكون أمام ترقيعٍ نَتن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات