Search
728 x 90

اسرائيل من دون محاسبة مجدداً

اسرائيل من دون محاسبة مجدداً

احدث مقتل الصحافية الفلسطينية شيرين ابو عاقلة صدمة ترددت اصدؤاها على المستوى السياسي والاعلامي عربياً ودولياً. فالصحافية المسيحية الفلسطينية المخضرمة والتي تحمل الجنسية الاميركية ايضا قتلت برصاص الجيش الاسرائيلي في عملية اقتحامه مخيم جنين منتصف الاسبوع الماضي فيما كانت تغطي لمحطة الجزيرة هذه العملية.

 واثار قتل ابو عاقلة التي كانت تطل بتقارير لافتة تعتبر صلة الوصل بين الفلسطينيين والعالم وما يجري في تفاصيل الاحتلال الاسرائيلي موجة حزن وغضب عارمة ولا سيما في ظل استنكار وادانة غربيين تجنبا ذكر مقتلها برصاص الجيش الاسرائيلي. اذ ان اسرائيل التي اربكها قتل جنودها صحافية كانت ترتدي بوضوح سترة واقية مكتوب عليها كلمة صحافة على نحو لا يحتمل الالتباس روجت سريعاً لنظرية مفادها ان مقتلها جاء برصاص الفلسطينيين وليس برصاص جنودها قبل ان تتتخلى عن هذه النظرية لتروّج لاخرى مفادها انها لا تستطيع الجزم بأي من الفرضيات بمن اطلق النار على ابو عاقلة.
ولكن وعلى رغم الادانات العربية والغربية التي توالت من حكومات غالبية دول العالم، فإن الامر الصادم كان تبنّي الاعلام الغربي النظرية الاسرائيلية عن مقتل شيرين ابو عاقلة من خلال الدعوة الى تحقيق مشترك يكشف عمن اطلق النار. لا بل ان السفارة الاميركية في اسرائيل سارعت الى دعم الرواية الاسرائيلية من باب اقفال باب الجدل حول الموضوع على خلفية ان الولايات المتحدة حريصة على رعاياها وابو عاقلة تحمل الجنسية الاميركية، وليس هناك احرص من السفارة الاميركية على الحقيقة. اذ نشر كل من الجيش الاسرائيلي والسفارة الاميركية تغريدة تتضمن فيديو لمسلحين فلسطينيين في جنين يطلقون النار في احد الشوارع الضيقة كما لو انه للايحاء بمسؤوليتهم عن مقتل الصحافية الفلسطينية. ولكن البيت الابيض سارع الى ادانة مقتل ابو عاقلة وطالب بتحقيق شامل.

الا انه سرعان ما اتى مأتم ابو عاقلة ليؤكد على نحو يصعب دحضه المسؤولية الاسرائيلية من حيث تعرض الجيش الاسرائيلي لاخراج جثمان الضحية من المستشفى الفرنسي الى الكنيسة في القدس من اجل تشييعها. وقد شكلت الفيديوهات التي انتشرت عن ضرب الجيش الاسرائيلي للمشيعين صدمة بدورها من حيث غرابة المنطق ازاء امكان اسرائيل اقناع العالم بأن جيشها لم يقتل ابو عاقلة فيما يمنع تشييعها بذريعة رفض حملها على الاكف على طريقة كاد المريب يقول خذوني، اي ان اسرائيل هي من قامت بذلك. فيما ان التقارير الصحافية التي كانت تقدمها ابو عاقلة عززت نظرية ان استهدافها وقتلها قد يكون مقصوداً وغير بريء. اذ انه في ايار من العام الماضي، قصفت اسرائيل برجاً إعلامياً في مدينة غزة يضم مكاتب شبكات إعلامية فلسطينية ومكاتب وكالة “أسوشيتد برس” الأميركية، وزعمت حينها بأن المكتب يستخدم من قبل حركة “حماس”، وهو ما اثار ضجة ضدها حول استهداف المؤسسات الاعلامية انما من دون اي عقوبات فعلية او مردود سلبي.

ومنذ العام 2000، قتل اكثر من 47 صحافياً غالبيتهم من الفلسطينيين فيما تنجو اسرائيل من المحاسبة ولا سيما انها لا تميز بين العمل الصحافي وكون الصحافيين من الفلسطينيين بحيث تخشى تقاريرهم. والجدير ذكره ان صحيفة الواشنطن بوست عرضت تقريراً على اثر نشرها لفيديو تعرض الجيش الاسرائيلي لمشيعي ابو عاقلة افادت فيه بأن خمسة صحافيين على الاقل قتلوا في اثناء تغطيتهم لانتهاكات قوات الاحتلال الاسرائيلي وكلهم كانوا يرتدون سترات واقية تحمل كلمة صحافة فيما ان اسرائيل التي فتحت احياناً تحقيقاً في مقتل هؤلاء برّأت جيشها من عمليات القتل بأعذار واهية.

وخلاصة ذلك ان اسرائيل تنجو بجرائمها ضد الصحافيين كما بجرائمها ضد الفلسطينيين ومن دون محاسبة. اذ في العام 2006 أكدت محكمة في سانت بانكرس في لندن أن إسرائيل استهدفت عمداً الصحافي جيمس ميلر بناء على نتائج جمعها محقق خاص استأجرته العائلة بعد مقتل ابنها مباشرة والذي قتل اثناء تصويره فيلما في غزة حين فتحت دبابة اسرائيلية النار عليه وعلى فريقه فيما نفى الجيش الاسرائيلي مسؤوليته وادعى ان ميلر قتل بتبادل النار مع الفلسطينيين.
والاحباط الذي يثيره ذلك لا يتصل بواقع ان حكومات الدول التي نددت بمقتل ابو عاقلة اعتمدت مقاربة لم تتبن خلالها النظرية الاسرائيلية او النظرية الفلسطينية في ظل مصالح الدول وعدم فتح جدل في غير محله فيما طالبت بالتعاون بين اسرائيل والسلطة الفلسطينية في تحقيق مشترك لتحديد من اين اطلقت الرصاصة ونوعيتها، فإن وسائل الاعلام الغربية التي تعاملت مع مقتل ابو عاقلة بتجهيل الفاعل عبرت عن انحياز مخيف لصالح اسرائيل في ظل حدثين متلازمين: الاول هو الانخراط على نحو حماسي في الدفاع عن اوكرانيا وشعبها ازاء ما يعتبرونه همجية القتل الذي تمارسه القوات الروسية، والثاني هو الفتور او البرودة في التعامل مع استمرار اسرائيل في انتهاك الاراضي الفلسطينية وقتل الفلسطينيين واكثر قتل الصحافيين باعتبار ان هذه النقطة غير مقبولة على الطلب وليس وفق معايير حقوقية وانسانية. ولكن السلطة الفلسطينية رفضت اعطاء الرصاصة التي استخرجت من رأس ابو عاقلة حيث اصيبت خلف اذنها ما ادى الى مقتلها بذريعة عدم الثقة بالتحقيق الاسرائيلي.
وفيما تبنى مجلس الامن الدولي مسودة بيان صحافي اميركي نرويجي امارتي يدين من خلاله مقتل شيرين ابو عاقلة ويدعو الى اجراء تحقيق شامل ، فإن الثقة بأن اي تحقيق من الجانب الاسرائيلي مفقودة فيما ان العواصم ستتغاضى مرة اخرى عن هذه الجريمة قياساً على الاقل بالتجارب الماضية. وهو امر يساهم في تكبير الهوة مع العالم الغربي الذي لا يقيم اعتباراً لمسائل مماثلة الا اذا كانت تخدم مصالحه واهدافه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات