Search
728 x 90

استحقاق ميقاتي يتجاوز شكليات العلاقات الخارجية

استحقاق ميقاتي يتجاوز شكليات العلاقات الخارجية

ليست مسآلة شكلية فولكلورية كما قد يفهمها كثيرون ان يظهر رئيس الحكومة اللبنانية الجديدة نجيب ميقاتي بعد ظهر الجمعة في باحة قصر الاليزيه محتضناً بحفاوة الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون، ومن ثم يظهر في اليوم التالي في دارته في لندن مستقبلاً وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط وشمال افريقيا جيمس كلفرلي.

اذ ان هذا الجانب المتصل بالعلاقات الخارجية الغربية التي يحظى بها ميقاتي قد يشكل معظم رهانه على ان تنطلق حكومته نحو تحقيق انفراجات ولو بسيطة ومحدودة في واقع انهياري شديد الخطورة بحيث يصبح تأثير أي تبديل إيجابي مهما كانت طبيعته وحجمه قوياً للغاية، وهذا ما يدركه تماماً ميقاتي ويمكنه من خلال ذلك التحرك بسرعة قبل نفاد الفرصة.

ولكن لا الصورة الشكلية ولا الادراك الكافي للعقبات التي تحاصر الحكومة سلفاً سيكونان كافيين لطمأنة الناس بأن الدعم الدولي جاهز وبأحسن حالاته لتوفير الامدادات الملحة لدعم اقتصاد لبنان وماليته المنهارة قبل اتضاح حقيقة الشروط الدولية الآخذة في التصاعد والتصعيد بموازاة المضي بلا أي ترجمة بعد في التعهدات اللبنانية لتنفيذ الإصلاحات الواسعة التي تطلقها الحكومة فيما تتعاظم الشكوك الموضوعية حيال امكان تنفيذها.

وفي ابسط المعادلات فإن الامتحان الأصعب سيكون حين يشرع فريق التفاوض الذي شكله ميقاتي برئاسة نائب رئيس الوزراء في جلسات التفاوض مع صندوق النقد الدولي، لأن هذه المفاوضات ستكون واقعياً المعمودية الأكثر صرامة للحكومة المولودة سعيداً. فكل المناورات وتقاطعات المصالح السياسية المتناقضة تسقط الآن بقوة امام تعاظم الحاجة الى فريق عمل حكومي حقيقي يعمل باحتراف كامل بلا ممارسات موروثة بائدة كانت تتوقف دوماً حائلاً دون تنفيذ أي خطة إصلاحية حقيقية في لبنان.

ولإثارة هذه النقطة الحساسة ما يبررها فعلاً بعدما ضجت البلاد بالسخافات المبكرة التي كشفت وزراء غير جديرين او كفوئين من جهة واندلاع معارك العصبيات والاجندات المتعارضة بين الوزراء والجهات التي تملي عليهم ذلك، من جهة أخرى.

وغنّي عن القول ان ميقاتي سيواجه اول ما يواجهه امتحان توجيه الفريق اللبناني المفاوض مع صندوق النقد الدولي بتوجيهات واضحة وثابتة وقوية وموحدة لا يكون محتملاً معها للفريق المفاوض ان يصطدم داخل الجلسات الرسمية بمفاجآت من خارجها صادرة عن اطراف ممثلين في الحكومة ويمارسون المزايدات الانتخابية والشعبوية.

كما ان اول ما سيواجه ميقاتي في الأسابيع الطالعة هو معرفة كم ستكون الحكومة جاهزة لمعالجة ازمة الازمات المتمثلة بتفاقم متزايد لازمة الكهرباء، وسط تلويح مؤسسة كهرباء لبنان بإمكان التعتيم الشامل في أواخر أيلول الحالي لافتقادها الى تمويل شحنات الفيول. واذا كانت مجموعة الازمات الحياتية والمعيشية والخدماتية الأخرى تشكل العامل الضاغط الأساسي على الحكومة فلا يمكن أيضاً تجاهل الأثر الشديد السلبية الذي بدأت تواجهه الحكومة جراء الغطرسة التي مارسها حزب الله في استجراراه شحنات المازوت الإيراني وتوزيعها وفق طريقته الدعائية غير آبه بالدولة والحكومة وبأي رادع له عن انتهاك السيادة بهذه الطريقة الاستفزازية.

ومع الهجمة التي شنها الحزب على المحقق العدلي في انفجار مرفأ بيروت القاضي طارق البيطار والتي ذهب فيها الى حدود عدم الرد والتعليق على عاصفة خبر توجيه المسؤول الأمني في الحزب وفيق صفا تهديداً سافراً للبيطار “بقبعه” فإن لا مبالغة في القول بأن سكوت الحكومة ورئيسها ووزير العدل فيها اسوة طبعاً في البداية برئيس الجمهورية شكل اسوأ المقدمات التي طالعت بها الحكومة الرأي العام الداخلي.

واذا كانت اعتبارات خارجية معروفة املت مهادنة الحكومة الآن واعطاءها فرصة وفترة سماح فإنه يعتقد ان التسامح الخارجي لن يطول كثيراً الا اذا تمكنت الحكومة من الإسراع في تنفيذ رزمة قرارات تحمل توجهات إصلاحية ولو مؤلمة لإثبات صدقيتها في التعهدات التي قطعها الرئيس ميقاتي للدول.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات