Search
728 x 90

اخطر المغامرات مؤتمر تأسيسي يكمل الانقلاب على التكليف

اخطر المغامرات مؤتمر تأسيسي يكمل الانقلاب على التكليف

لا تقف خطورة الازمة الحكومية التي يتخبط فيها لبنان راهناً عند افتقاد السلطة الفعالية ذات القدرات على اجتذاب الدعم الدولي لبلد يصارع للمرة الأولى بهذا القدر من الخطورة كوارث وازمات وانهيارات لم يعد يقوى على الصمود في وجهها فحسب بل تنسحب الى ابعاد دستورية وتأسيسية اذا صح التعبير .

ذلك انه على رغم ان تاريخ لبنان مع الازمات الحكومية طويل ومألوف بما لم يكن يستدعي القلق الكبير حيال الازمة الحالية التي لم تطو رقماً قياسياً بعد مثل الكثير من الازمات السوابق، لكنها قد تكون السابقة الأولى من نوعها التي تشهد محاولة انقلابية جدّية على عملية دستورية أساسية هي تكليف الرئيس الذي سمّته الغالبية النيابية لتشكيل الحكومة .
فما يحصل منذ اخفاق 14 اجتماعاً عقدت بين رئيس الجمهورية العماد ميشال عون ورئيس الحكومة المكلف سعد الحريري في تشكيل الحكومة الجديدة بات يشكل انقلاباً ناجزاً من جهة رئاسة الجمهورية على تكليف الحريري لأن الرئيس يتعين عليه امام تشكيلة حكومية قدّمها اليه الرئيس المكلف احد خيارين :اما توقيع مرسوم تشكيل الحكومة بعد ان يطرح تعديلات او مطالب له فيها واما رفضها وعدم توقيعها ليعود الرئيس المكلف الى طرح بديل منها .
اما في الواقع الحالي فإن الرئيس لا يأخذ الخيار الدستوري بل يتعمد اقفال الطريق على الحريري لحمله على الاعتذار عن تشكيل الحكومة .
في البعد الدستوري فإن رئاسة الجمهورية هنا تتوغل في سياسات متصلة بموقف شاغل الكرسي الرئاسية الأولى من الطائف نفسه اذ معلوم ان للرئيس عون موقفاً مناهضاً من الأساس للطائف لأسباب كثيرة لا مجال لشرحها تفصيلياً في هذه العجالة . ولكن مكمن الخطورة في موقف الرئيس عون يتأتى من التناقض الصارخ بين مزاعم ما سمّي العهد القوي الذي على أساسه انتخب عون رئيساً للجمهورية ومغامرة هذا العهد في ان يتسبب الضربة التي ستكون قاصمة نهائياً لمكانة المسيحيين وبقايا تأثيرهم في الدولة والنظام والمؤسسات ان مضى العهد في استسهال خطورة العبث بالدستور والطائف .
ليس ميشال عون وحده بين الرؤساء الذين تعاقبوا بعد الطائف يشكو من ثغرات واسعة في الدستور من شأنها ان تبقي الأبواب مفتوحة لأزمات مثل الوقت المفتوح وغير المحدد بزمن لتشكيل الحكومات او سواها كما لضعف صلاحيات رئيس الجمهورية مرات بإزاء صلاحيات الوزير مثلاً . فجميع الرؤساء رفعوا الصوت في هذا المجال والرئيسان الياس الهراوي وميشال سليمان طرحا أفكاراً وطروحات عملية لتعديلات دستورية تتناول هذا الخلل ولو لم يؤخذ بها لاحقاً .
ولكن أي رئيس لم يتجاوز اطار تسجيل الموقف المبدئي السياسي الى محاولة احداث امر واقع انقلابي على اجراء دستوري كتكليف الرئيس المكلف مثلما يقوم بذلك الآن الرئيس الحالي الذي لم يبق من ولايته الدستورية سوى سنة وتسعة اشهر.
يأتي ذلك في عز انهيار لبنان كما لم يحصل في تاريخه بما سيسجل على العهد الحالي حتى لو لم يكن وحده يتحمل تبعة الانهيار الدراماتيكي .
والانكى من ذلك ان “الرجل الحاكم” الفعلي في العهد أي صهر الرئيس ورئيس تياره السياسي النائب جبران باسيل اختار أسوأ المواقيت أخيراً ليطلق حرب العهد على الحريري وقرن في الموقع نفسه هذا الهجوم بفتح الباب على موضوع تغيير النظام الدستوري داعياً الى حوار يتناول هذا الملف بما يعني التماهي الكامل مع موقف حزب الله من المؤتمر التأسيسي وتبديل النظام .
لا شك في ان افتعال هذا الموضوع راهناً يشكل أحد أسوأ أخطاء “التيار الوطني الحر” العوني برئاسة باسيل لا بل هو اخطر ما يتوّج الانقلاب على تكليف الحريري لأنه يعني ببساطة وخطورة في آن واحد تعريض التوازن الهش بين المسيحيين والمسلمين في الدولة الى التهاوي الكامل لمصلحة المسلمين ولن يكفل اطلاقاً قيام الدولة المدنية التي يزعم التيار انها أملت على رئيسه باسيل اتخاذ هذا الموقف .
يضاف الى ذلك ان مناداة التيار المسيحي الأكبر بتغيير النظام من دون ضمان الذهاب الى دولة مدنية سيقلب المسلمين على المسيحيين ويحيي النزعة الانقسامية في البلاد بشكل خطير بعدما كانت انتفاضة 17 تشرين الأول سجّلت اهم نتائج قيامها بجعل الدولة المدنية الهدف المركزي الأساسي لانطلاقتها . لذا يغدو طرح هذا الملف بشكل متسرع بغية تحقيق مكاسب آنية او شعبوية او ممارسة ضغوط على طوائف وأشخاص ومسؤولين من أسوأ الارتكابات والأخطاء التي ستضيف الى المسؤوليات الهائلة التي تتحملها رئاسة الجمهورية حيال الانهيارات خطر انهيار البنية الدستورية للدولة وعدم امتلاك أي ضمان داخلي او خارجي من شأنه الا يجعل المسيحيين اللبنانيين يفقدون ورقة التين الأخيرة كحماة للدولة والنظام .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

أحدث المقالات